الحرب والتوازنات الداخلیة في لبنان

مدة القراءة: 8 دقيقة

جولای 31, 2026

يمكن اعتبار الحرب الأخيرة في لبنان أشدّ الحروب التي خاضها هذا البلد و«حزب الله» خلال الأعوام الأربعة والأربعين الماضية منذ احتلال بيروت من قبل جيش الكيان الصهيوني، وذلك بسبب حجم الدمار والخراب الناجم عنها، إضافة إلى تأثيرها النفسي غير المسبوق على المجتمع اللبناني المتشظّي، وهو تأثير يتفاقم يوماً بعد يوم.

وقد يتساءل البعض: ماذا عن حرب الستة والستين يوماً؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من القول إنّ حرب الستة والستين يوماً، رغم بدايتها باستشهاد سيّد المقاومة الشهيد السيد حسن نصر الله، وحادثة أجهزة «البيجر»، واستشهاد قادة وحدة الرضوان، ورغم الصعوبات الميدانية الكبيرة التي واجهها حزب الله خلالها، فإنّ مستوى الدمار فيها كان أقلّ بكثير مقارنة بما يشهده لبنان اليوم.

وبعبارة موجزة، يمكن القول إنّ الوضع الميداني للمقاومة خلال حرب الستة والستين يوماً كان بالغ الصعوبة، غير أنّ حجم الخراب كان محدوداً نسبياً، بينما يتميّز الوضع الحالي بتحسّن الأداء الميداني للمقاومة بصورة واضحة، مقابل ارتفاع غير مسبوق في حجم الدمار وعدد الشهداء، ولا سيما بين المدنيين. وفي ما يتعلّق بأسباب الحرب الأخيرة في لبنان، وبمبادرة حزب الله إلى التحرّك بعد خمسة عشر شهراً من الصمت ذي الدلالات العميقة إزاء الهجمات اليومية التي شنّها الكيان الصهيوني على مختلف المناطق اللبنانية، فلا بد من العودة إلى جذور تعود إلى الماضي القريب نسبياً.

فبعد حرب عام 2006، التي انتهت بانتصار بارز لحزب الله، شهدت البنية العسكرية والأمنية للمقاومة في لبنان تحوّلات واسعة. ومع اندلاع الحرب السورية عام 2011، والحاجة الملحّة لدى حزب الله إلى توسيع قوام قواته القتالية، جرى التخلّي عن كثير من الإجراءات الأمنية الصارمة الخاصة باستقطاب العناصر.

فعلى سبيل المثال، بين عامَي 1985 و2006، كانت آلية الانتساب إلى حزب الله تقوم على إخضاع المتطوّع لدورات عقائدية تمتد بين سنتين وثلاث سنوات، بالتزامن مع إخضاعه لمراقبة أمنية دقيقة للتأكّد من سلامة وضعه الأمني. وبعد اجتياز هذه المراحل والحصول على موافقة المسؤولين المختصّين، كان المنتسب يُرسل إلى الدورات القتالية الأولية المعروفة باسم «دورة المقاتل»، ثم ينتظر مدة إضافية قبل السماح له بالمشاركة في جبهات القتال.

وقد مكّن هذا النظام الحزب، خلال تلك المرحلة، من استقطاب عناصر منتقاة بعناية، وتقليص احتمالات الاختراق والتجسّس إلى الحد الأدنى. إلا أنّ انهيار هذا النظام بعد عام 2011 أدّى إلى استقطاب أفراد لا يرتبط بعضهم بالبنية الأمنية التقليدية للحزب، وهو ما شكّل بداية لتسرّب معلوماتي واسع، ظهرت نتائجه الكارثية بعد ثلاثة عشر عاماً، وتحديداً في عام 2024، عبر عمليات اغتيال طالت الصف الأول من قادة المقاومة، إضافة إلى تفجير أجهزة النداء ومستودعات الأسلحة التابعة للمقاومة، في واحدة من أكثر الضربات إيلاماً في تاريخها. ومن النقاط اللافتة في أحداث عام 2024 أنّ الكيان الصهيوني تعمّد، بصورة مدروسة ومحترفة، إدارة معادلة الردع الأمني والعسكري بطريقة أوحت لحزب الله بأنّه نجح فعلاً في تحصين منظومته الأمنية ضد الاختراق الإسرائيلي، الأمر الذي خلق نوعاً من الثقة المفرطة داخل بنية المقاومة.

لقد أثبتت حرب الستة والستين يوماً لحزب الله أنّ خوض جولة جديدة من الحرب ضد الكيان الصهيوني في ظلّ اختراق أمني عميق أمر بالغ الخطورة. ومن هنا، وعلى الرغم من تحمّل الحزب لآلام الاغتيالات اليومية في جنوب لبنان، فقد عمد إلى إعادة تصميم بنيته الأمنية بصورة دقيقة، وتمكّن من سدّ جزء كبير من الثغرات الاستخباراتية القائمة. وفي هذه الحرب، يواجه حزب الله تحدّياً آخر بالغ الخطورة، يتمثّل في تفاقم الأزمات الداخلية اللبنانية، وتراجع عدد الحلفاء مقابل ازدياد الخصوم في الداخل.

ورغم أنّ هذه العوامل لا تؤثّر بصورة مباشرة على سير المواجهة العسكرية مع الكيان الصهيوني، فإنّها تترك آثاراً عميقة على البيئة الاجتماعية اللبنانية، ولا سيما على الحاضنة الشعبية للمقاومة، ويتجلّى ذلك خصوصاً في العراقيل التي تضعها الحكومة اللبنانية الجديدة في وجه مشروع المقاومة الإسلامية. فبعد حرب الستة والستين يوماً، وما خلّفته من ضربات قاسية على بنية حزب الله، رأت الأحزاب السياسية اللبنانية، إلى جانب القوى الإقليمية والدولية، أنّ الفرصة أصبحت سانحة لفرض إرادتها على لبنان. ومن هنا، وبعد انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية، وهو أمر كان متوقّعاً حتى قبل الحرب، وبينما كان يُعتقد أنّ تمديد ولاية نجيب ميقاتي في رئاسة الحكومة بات وشيكاً، ظهر فجأة اسم نواف سلام، السفير اللبناني السابق لدى الأمم المتحدة، بوصفه مرشّحاً توافقياً لقوى «14 آذار»، ليصل إلى رئاسة الحكومة بصورة مفاجئة.

معادلة نواف سلام الغامضة والتفاوض المباشر

أثار وصول نواف سلام إلى رئاسة الحكومة تساؤلات واسعة حول طبيعة المرحلة المقبلة، غير أنّ الأيام الأولى كشفت سريعاً أنّه يسعى إلى تنفيذ سياسات السفارات الأجنبية في لبنان بصورة تفوق حتى أكثر خصوم حزب الله تطرّفاً.

ولم يشهد التاريخ اللبناني المعاصر رئيس حكومة رفع موقفاً معادياً لحزب الله بهذه الصراحة، إلى درجة أنّ الحكومة اللبنانية، وبدعم أميركي، أعلنت في الخامس والسابع من أغسطس بصورة غير مسبوقة عدم شرعية الأنشطة العسكرية للمقاومة. غير أنّ طموحات نواف سلام لم تتوقّف عند هذا الحد، بل امتدّت إلى فتح باب التفاوض المباشر مع الكيان الصهيوني.

وقد أثارت هذه المفاوضات، التي تزامنت مع وقف إطلاق النار بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة عقب الحرب المفروضة الثالثة، موجة واسعة من ردود الفعل السلبية في الأوساط الشعبية والإعلامية اللبنانية.

ويمكن القول إنّ لبنان دخل في أكثر حالات الاستقطاب الحاد منذ اغتيال رفيق الحريري، حيث انقسم المجتمع بين مؤيّد ومعارض للتفاوض المباشر. ويرى المؤيّدون للتفاوض أنّ سلاح المقاومة لم يجلب للبنان سوى الدمار، وأنّ الحروب الأخيرة كانت ـ بحسب رأيهم ـ مرتبطة بقضايا دول أخرى، في إشارة إلى إيران وفلسطين. ويعتقد هؤلاء أنّ الخلاص من حالة الخراب، وضمان الأمن في مواجهة الهجمات الصهيونية، لا يمكن أن يتحقّقا إلا عبر بناء علاقة مباشرة مع الدولة والثقة بمؤسساتها الرسمية.

كما يعتبرون أنّ علاقات لبنان الدولية مع أوروبا والولايات المتحدة تمثّل أفضل ضمانة للحصول على حقوقه، وأنّ الدبلوماسية هي الخيار الوحيد الممكن.

ويستند بعضهم إلى تجربة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، متسائلين: إذا كانت إيران نفسها تفاوض «الشيطان الأكبر» بصورة مباشرة، فلماذا يُمنع لبنان من القيام بالأمر ذاته؟ في المقابل، يرى المعارضون للتفاوض المباشر أنّ الكيان الصهيوني، المصنّف عالمياً بوصفه كياناً مجرماً ومنتهكاً للقوانين الدولية، لم يلتزم بأيّ اتفاق أو معاهدة، بما في ذلك اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024 مع لبنان.

ويعتبرون أنّ تجربة الأشهر الخمسة عشر الماضية تشكّل دليلاً واضحاً على ذلك، إذ التزمت المقاومة الإسلامية بالكامل ببنود التهدئة، ولم تنفّذ أيّ رد عسكري ضد الكيان الصهيوني، كما سلّمت أسلحتها جنوب الليطاني بالتعاون الكامل مع الدولة والجيش اللبناني، ومع ذلك استمرّت الاعتداءات الإسرائيلية.

ومن هنا يتساءلون: على أيّ أساس يمكن الوثوق بهذا الكيان اليوم؟ ويضيف المعارضون أنّ التفاوض المباشر مع كيان يواصل قتل المدنيين وتدمير جنوب لبنان بالكامل لا يحمل أيّ جدوى حقيقية. فإيران، خلال مفاوضاتها، دخلت من موقع القوة، مستندة إلى قدراتها العسكرية، ومهدّدة بالرد الحاسم في حال خرق وقف إطلاق النار.

أمّا لبنان، الذي لا يمتلك قوة عسكرية فاعلة، بل يقوم أيضاً بتجريم القوة الوحيدة التي تواجه الاحتلال الصهيوني، فكيف يمكنه انتزاع أيّ مكاسب من هذا الكيان في ظلّ هذه الظروف؟

مستقبل لبنان السياسي بعد المفاوضات المباشرة

شهد لبنان منذ اغتيال رفيق الحريري عام 2005 سلسلة متواصلة من الأزمات، إلا أنّ المرحلة الراهنة تبدو أكثر خطورة للأسباب الآتية: كان حزب الله يمتلك في السابق بنية تنظيمية متماسكة جعلت خصومه في الداخل اللبناني، رغم تشرذمهم وضعفهم، يتعاملون معه بحذر شديد.

أمّا اليوم، وبعد الضربات القاسية التي تلقّاها في قيادته، وسقوط سوريا بوصفها عمقاً استراتيجياً للمقاومة، فقد ازداد عدد خصومه الداخليين، وارتفعت ثقتهم بقدرتهم على مواجهته بصورة أكثر علنية وحدّة.

ورغم حفاظ الحزب على قدر كبير من تماسكه البنيوي، فإنّ التغيّرات التي طرأت عليه تكفي لدفع خصومه إلى التفكير جدّياً في الحد من نفوذه داخل لبنان. بعد عام 2006، كان الدعم الشعبي للمقاومة ولسلاحها بوصفه عامل ردع ضد الاعتداءات الصهيونية واسعاً بين مختلف الطوائف اللبنانية، بما فيها غير الشيعية، حتى إنّ كثيراً من خصوم حزب الله السياسيين كانوا يكنّون احتراماً خاصاً للمقاومين وللسيد الشهيد حسن نصر الله. غير أنّ الحروب الأخيرة، وما رافقها من حرب إعلامية مكثّفة وضعف الخطاب الإعلامي المؤيّد للمقاومة، رسّخت لدى شريحة من اللبنانيين قناعة مفادها أنّ هذه الحروب خيضت دفاعاً عن غزة وإيران، وأنّ لبنان دفع أثماناً لا تخصّه مباشرة.

وقد أدّى ذلك إلى تعميق الانقسامات الداخلية، وتحويل قسم من غير الشيعة، الذين كانوا يؤيّدون المقاومة سابقاً، إلى موقف الحياد أو حتى الانضمام إلى معسكر معارضي سلاح المقاومة، وهو ما قد يرفع منسوب التوترات الاجتماعية داخل البلاد.

استطاع حزب «القوات اللبنانية» برئاسة سمير جعجع خلال السنوات الأخيرة أن يقدّم نفسه بوصفه البديل الرئيسي لليمين المسيحي في لبنان، مستفيداً من دعم خارجي مكّنه من إقصاء منافسيه السياسيين بصورة شبه كاملة. ويمكن تفسير تحرّكات جعجع الأخيرة على أنّها سعي متعمّد نحو خلق مواجهة داخلية مع حزب الله، وصولاً إلى إضعاف المقاومة أو القضاء عليها. ولا يقتصر هذا على مجرّد تحليل سياسي، بل تؤكّده أحداث مثل حادثة الطيونة، التي سقط فيها عدد من عناصر المقاومة والمدنيين برصاص عناصر «القوات اللبنانية»، بما يعكس مستوى الاستعداد العسكري لدى هذا الفريق لخوض صدام داخلي مع حزب الله

الخاتمة

إنّ تحليل مسار التطورات الداخلية في لبنان يشير بوضوح إلى أنّ البلاد تقف على أعتاب مواجهة داخلية خطيرة، وأنّ التفاوض المباشر بين لبنان والكيان الصهيوني قد يشكّل الشرارة التي تشعل هذا الصراع.

فجميع الأطراف، بما في ذلك بعض المسؤولين في الدولة اللبنانية، يدركون أنّ هذه المفاوضات لن تفضي إلى نتائج حقيقية لصالح لبنان، ومع ذلك تتسارع الخطوات نحو التطبيع السياسي والتفاوض المباشر، بل إنّ احتمالات عقد لقاء مباشر بين جوزاف عون ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو خلال الأيام المقبلة تبدو مرتفعة، في وقت لا يزال فيه أبناء جنوب لبنان يتعرّضون يومياً لغارات الطائرات الحربية الصهيونية.

مهرداد خلیلي 

باحث في الشأن اللبناني 

أحدث المحتويات
الأكثر زيارة
الدراسات الإستراتيجية
جولای 31, 2026