
المقدّمة
التحركات الدبلوماسية التركية عشية الحرب وإدراك التهديدات المحدقة بالأمن القومي الدبلوماسية التركية خلال حرب رمضان وأولوية إنهاء الحرب الرأي العام التركي في حرب رمضان: التضامن مع إيران وتصوّر العدو المشترك الخاتمة المقترحات الاستراتيجية المقدّمة في فجر الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026، ومع اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لم يُنظر إلى هذا الصراع بوصفه نزاعاً ثنائياً أو ثلاثياً فحسب، بل باعتباره اختباراً مصيرياً لمجمل معادلة الأمن القومي التركي.
فقد وجدت أنقرة نفسها، بحكم حدودها الشرقية الممتدة لمسافة 560 كيلومتراً مع إيران، أمام وضع لا يمكن تجاهله، وفي الوقت ذاته لا تملك إرادة الانخراط المباشر فيه.
وما ميّز هذه الأزمة عن النزاعات الإقليمية السابقة لم يكن فقط مستوى العنف واتساع نطاق العمليات العسكرية، بل الإدراك المتنامي داخل الدولة والمجتمع التركيَّين بأن الحرب التي بدأت في إيران قد لا تتوقف عند حدودها الشرقية. ومنذ الأيام الأولى، تبلور في أنقرة تصوّر مفاده أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تخوضان حرباً ضد دولة بعينها، بل تعملان على إعادة تشكيل النظام الإقليمي بما يخدم مصالحهما، عبر إضعاف وإقصاء القوى الإقليمية المستقلة والمؤثرة تدريجياً.
وفي هذا التصور بدت تركيا الحلقة التالية في سلسلة الاستهداف. وقد تحوّل شعار «اليوم إيران وغداً تركيا» الذي انتشر في وسائل الإعلام التركية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى انعكاس لحسابات استراتيجية عميقة، عززتها تصريحات مسؤولين أتراك رفيعي المستوى، وعلى رأسهم هاكان فيدان، فضلاً عن تصريحات غير متوقعة صادرة عن مسؤولين إسرائيليين سابقين، مثل نفتالي بينيت. هذا الإدراك للتهديد المتسلسل، مقترناً بالمخاوف من موجات الهجرة وعدم الاستقرار الكردي والارتدادات الاقتصادية، شكّل الأساس الذي قامت عليه المقاربة التركية تجاه حرب رمضان.
ومع ذلك، اتسم الموقف التركي بدرجة عالية من التعقيد والازدواجية؛ إذ إن اختزاله في ثنائية «الانحياز لإيران» أو «الاصطفاف مع الغرب» يبقى تبسيطاً مضللاً. فمن جهة، عارضت حكومة أردوغان بشدة اندلاع الحرب واستمرارها، وأطلقت جهوداً دبلوماسية مكثفة لفرض وقف إطلاق النار والوساطة بين الأطراف. ومن جهة أخرى، تجنبت الانخراط العسكري المباشر، وحرصت على عدم القطيعة الكاملة مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.

أما على مستوى الرأي العام، فقد ظهرت مفارقة مشابهة؛ إذ أبدت قطاعات واسعة من المجتمع التركي تعاطفاً مع إيران، واعتبرت إسرائيل عدواً مشتركاً، لكنها في الوقت نفسه رفضت استمرار الحرب أو إغلاق مضيق هرمز. وعليه، يسعى هذا التقرير للإجابة عن سؤال محوري: كيف اختبرت تركيا «إدراك التهديد» خلال حرب رمضان، وكيف أسهم هذا الإدراك في صياغة العلاقة بين «الدبلوماسية الرسمية» و«المواقف الشعبية»؟ وكما سيتضح لاحقاً، فإن الإجابة عن هذا السؤال لا تحمل دلالات تخص العلاقات الإيرانية–التركية فحسب، بل تكشف أيضاً عن ملامح محتملة لإعادة تشكيل النظام الأمني في غرب آسيا في مرحلة ما بعد الحرب.
أولاً: التحركات الدبلوماسية التركية عشية الحرب وإدراك التهديدات المحدقة بالأمن القومي في الأشهر التي سبقت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، كانت أنقرة من أكثر الفاعلين الإقليميين نشاطاً على المستوى الدبلوماسي. فقد أدركت القيادة التركية بصورة عميقة التداعيات الكارثية لأي مواجهة عسكرية شاملة على حدودها الشرقية، ولذلك بذلت جهوداً مكثفة لمنع اندلاع الحرب.
وأجرى وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، سلسلة من اللقاءات والمشاورات مع مسؤولين إيرانيين وأمريكيين بهدف تهيئة الأرضية لمفاوضات مباشرة بين الطرفين. وبلغت هذه المساعي حدّ إعلان تركيا رسمياً استعدادها لاستضافة المباحثات الإيرانية–الأمريكية في إسطنبول، مع توجيه إشارات إيجابية في هذا الاتجاه. غير أن طهران طلبت نقل مكان المفاوضات من تركيا إلى سلطنة عمان. وقد طرح المحللون الإقليميون عدة تفسيرات لهذا القرار، من بينها رغبة إيران في حصر جدول الأعمال بالملف النووي، بينما كانت إدارة ترامب تصرّ على إدراج ملف الصواريخ الباليستية والأنشطة الإقليمية ضمن المفاوضات.
كما رأت طهران أن عقد اللقاءات في إسطنبول، وربما بحضور أردوغان، قد يمنح أنقرة مكاسب رمزية وإعلامية على مستوى المكانة الإقليمية. يضاف إلى ذلك أن سلطنة عمان تمتلك سجلاً طويلاً في الوساطة بين طهران وواشنطن، وسبق أن استضافت المفاوضات التمهيدية للاتفاق النووي بين عامي 2013 و2015.
وقد ترك هذا التحول المفاجئ أثراً سلبياً في الرأي العام التركي، إذ اعتبره كثيرون دليلاً على تراجع النفوذ الدبلوماسي لأنقرة، فيما رأى آخرون أن إيران أظهرت نوعاً من الجحود تجاه جهود الوساطة التركية. المخاوف الاستراتيجية التركية من الحرب 1. أزمة الهجرة كان ملف الهجرة أكثر المخاوف التركية إلحاحاً. فالتجربة القاسية للحرب السورية، التي دفعت أكثر من 3.5 ملايين لاجئ إلى الأراضي التركية، خلّفت آثاراً اقتصادية واجتماعية وأمنية عميقة.
ومع احتمال اندلاع حرب واسعة في إيران، حذّر الخبراء من تدفق ملايين الإيرانيين، إضافة إلى اللاجئين الأفغان المقيمين في إيران، نحو الحدود التركية. وقد شددت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في اتصال مع أردوغان على ضرورة التعاون لمواجهة «الانعكاسات المحتملة للأزمة على ملف الهجرة». ولذلك دفعت المخاوف من تكرار السيناريو السوري أنقرة إلى تكثيف جهودها لمنع الحرب. 2. المسألة الكردية وخطر النزعات الانفصالية ترتبط المخاوف التركية أيضاً بالملف الكردي. فأنقرة تخوض منذ سنوات صراعاً مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، وأي حالة انهيار أو فوضى في إيران قد تمنح الجماعات الكردية زخماً جديداً، بما يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي.
كما تصاعدت التوترات التركية–الإسرائيلية في الساحة السورية، واتهمت أنقرة مراراً وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) بالتنسيق مع إسرائيل لإثارة الفوضى في سوريا. ومن هذا المنطلق، خشيت تركيا من أن يؤدي ضعف إيران إلى تصاعد النزعات الانفصالية الكردية وانتقال عدوى عدم الاستقرار إلى الداخل التركي. 3. الخوف من أن تكون تركيا الهدف التالي تدهورت العلاقات التركية–الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، وامتد التوتر من غزة إلى سوريا ثم شرق المتوسط. وكانت أنقرة تراقب بقلق تصاعد التحالفات العسكرية والسياسية بين إسرائيل واليونان وقبرص الجنوبية. ففي أبريل/نيسان 2026 وقّعت اليونان اتفاقية دفاعية بقيمة 650 مليون يورو مع إسرائيل.
وفي ظل هذا المناخ، بدأ السؤال يتردد في الأوساط التركية: «من التالي بعد إيران؟». وقد ساد اعتقاد بين النخب الاستراتيجية التركية بأن إسرائيل، بعد احتواء إيران بوصفها «التهديد الوجودي الأكبر»، ستوجّه تركيزها نحو تركيا باعتبارها التهديد الإقليمي التالي. ومن هنا، رأت أنقرة أن هزيمة إيران ستؤدي إلى اختلال جذري في توازن القوى لصالح إسرائيل، بما يجعل تركيا لاحقاً في دائرة الاستهداف.
الفرص الجيوسياسية الكامنة في إضعاف إيران ورغم هذه المخاوف، لم تقتصر الحسابات التركية على الجانب الدفاعي؛ إذ إن إضعاف إيران كان يمكن أن يفتح لأنقرة فرصاً جيوسياسية مهمة. ومن أبرزها مشروع «ممر زنغزور» الذي يربط أذربيجان بتركيا عبر نخجوان، وهو مشروع طالما عرقلته طهران. كما أن تراجع النفوذ الإيراني كان سيتيح لتركيا توسيع حضورها في شمال العراق وشرق الفرات من دون منافسة مباشرة مع الشبكات الحليفة لإيران.
إضافة إلى ذلك، رأت أنقرة أن مخاوف دول الخليج من إيران قد توفر فرصة لبناء شراكات اقتصادية وأمنية أعمق مع الرياض وأبوظبي والدوحة. لكن، وعلى الرغم من هذه المكاسب المحتملة، خلصت القيادة التركية إلى أن مخاطر الحرب – من موجات اللجوء إلى اضطرابات الأكراد واحتمال تحوّل تركيا إلى الهدف التالي – تفوق بكثير أي فوائد استراتيجية محتملة، الأمر الذي دفعها إلى تبني سياسة «المعارضة النشطة للحرب».
ثانياً: الدبلوماسية التركية خلال حرب رمضان وأولوية إنهاء الحرب عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما الجوية الواسعة على إيران فجر 28 فبراير/شباط 2026، وجدت تركيا نفسها في موقع شديد الحساسية؛ فهي لا تستطيع تجاهل الحرب، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في التورط العسكري المباشر.
وفي أول رد فعل رسمي، وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الهجمات بأنها «انتهاك صارخ للسيادة الدولية»، معبّراً عن «حزنه وقلقه العميقين»، لكنه في الوقت نفسه أبدى امتعاضه من الضربات الإيرانية الانتقامية ضد دول الخليج. وقد عكس هذا الخطاب حالة التوازن الدقيق التي حاولت أنقرة الحفاظ عليها. فتركيا لم تكن قادرة على تأييد الهجوم على دولة مسلمة مجاورة، لكنها أيضاً لم تكن مستعدة للمخاطرة بعلاقاتها مع الغرب أو مع دول الخليج عبر انحياز كامل لإيران.

ومن هنا تبنت سياسة «الحياد النشط»: لا مشاركة عسكرية، ولا قطيعة كاملة مع أي طرف، ولا تخلي عن صورة «الوسيط الإقليمي». أولوية إنهاء الحرب كانت المخاوف من انتقال الفوضى إلى الداخل التركي الدافع الأساسي وراء الإصرار التركي على وقف الحرب. فأنقرة دفعت خلال العقدين الماضيين أثماناً باهظة نتيجة انهيار العراق وسوريا، سواء من حيث تدفقات اللاجئين أو تصاعد النشاطات المسلحة أو الأعباء الاقتصادية.
ولهذا، شددت التصريحات التركية باستمرار على ضرورة «الحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية واستقرار الجوار الشرقي». فقد رأت أنقرة أن إيران الضعيفة والغارقة في الفوضى تشكل خطراً أكبر بكثير من إيران القوية ولكن المختلفة سياسياً معها.
البعد الرمزي والدور الإسلامي منذ حرب غزة، حاولت تركيا تقديم نفسها بوصفها «صوت العالم الإسلامي» والمدافع عن قضايا المنطقة. وفي هذا السياق، دخلت الدبلوماسية التركية بقوة على خط الأزمة الإيرانية. فأجرى هاكان فيدان اتصالات واسعة مع قادة ومسؤولين من إيران والعراق والسعودية وقطر وسوريا ومصر وغيرها، داعياً إلى وقف فوري لإطلاق النار.
كما كرر أردوغان أن «المنطقة ستنزلق إلى حلقة من النار إذا لم ينتصر العقل وتعود الدبلوماسية إلى الواجهة». ورغم أن بعض المراقبين رأوا في هذا التحرك سعياً تركياً لتكريس صورة «القوة الإقليمية الكبرى»، فإن أنقرة كانت حريصة فعلاً على الحفاظ على صورتها كدولة تسعى إلى الاستقرار والسلام.
ثالثاً: الرأي العام التركي في حرب رمضان: التضامن مع إيران وتصوّر العدو المشترك لم ينظر الرأي العام التركي إلى حرب رمضان باعتبارها نزاعاً بعيداً. فمنذ البداية، ترسخ شعور واسع بأن ما يجري في إيران قد يكون مقدمة لتهديد مباشر لتركيا نفسها.
وقد انتشر خطاب «اليوم إيران وغداً تركيا» بصورة لافتة في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حتى أصبح أحد أبرز السرديات السياسية داخل المجتمع التركي. كما عززت تصريحات نفتالي بينيت، الذي وصف تركيا بأنها «إيران الجديدة»، هذا التصور لدى الأتراك.
وفي هذا السياق، حذّر وزير الخارجية هاكان فيدان علناً من أن «إسرائيل لا تستطيع العيش من دون عدو بعد إيران»، في إشارة واضحة إلى أن أنقرة قد تتحول إلى الهدف التالي. التعاطف الشعبي مع إيران أظهرت استطلاعات الرأي التي أجراها «مركز الدراسات الدولية التابع لمنظمة أوج الإعلامية» خلال الحرب أن 87% من الأتراك يحملون نظرة إيجابية تجاه إيران، مقابل 13% فقط يحملون مواقف سلبية.
غير أن هذا التعاطف لم يكن نابعاً من تحوّل جذري في صورة إيران داخل الوعي التركي، بل من اعتبارها «الدولة المعتدى عليها» و«القوة التي رفضت الخضوع للولايات المتحدة وإسرائيل». وقد ساهمت الضربات الصاروخية المتبادلة بين طهران وتل أبيب ضمن عمليتي «الوعد الصادق 3 و4» في ترسيخ صورة إيران بوصفها ركيزة أساسية في محور المقاومة. حدود هذا التعاطف مع ذلك، لم يكن التضامن مع إيران مطلقاً. فقد انتقدت قطاعات واسعة من الرأي العام التركي استهداف إيران لبعض الدول العربية الخليجية، ورأت فيه تهديداً لوحدة العالم الإسلامي.
كما اعتبر البعض أن إيران تسعى لتحقيق مصالحها الجيوسياسية الخاصة أكثر من اهتمامها الحقيقي بالقضية الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، فرّق الأتراك بوضوح بين «حق إيران في الرد» و«استمرار الحرب». إذ أظهرت الاستطلاعات أن 88% يعارضون استمرار الحرب، بينما رفض 78% إغلاق مضيق هرمز. وهذا يدل على أن المجتمع التركي، رغم تعاطفه مع إيران، لا يريد الانجرار إلى حرب إقليمية طويلة ومكلفة.
الخاتمة لم تكن حرب رمضان بالنسبة إلى تركيا مجرد نزاع إقليمي عابر، بل شكّلت اختباراً كشف هشاشة الحدود الفاصلة بين الأمن القومي وانتقال الأزمات عبر الإقليم. وقد خلصت أنقرة إلى أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران لا تستهدف طهران وحدها، بل تسعى إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي وإضعاف القوى المستقلة والمؤثرة في الشرق الأوسط.
ومن هذا المنطلق، رأت تركيا نفسها هدفاً محتملاً في سلسلة التهديدات المقبلة. ولذلك عارضت الحرب منذ بدايتها، ليس دفاعاً عن إيران بحد ذاتها، بل دفاعاً عن توازن إقليمي ترى أنه ضروري لأمنها القومي. ومع ذلك، لم تخرج تركيا عن سياسة «الحياد النشط». فهي من جهة أبدت تعاطفاً سياسياً وشعبياً مع إيران، ومن جهة أخرى امتنعت عن أي تدخل عسكري مباشر.
كما أن الرأي العام التركي نفسه، رغم دعمه الرمزي لإيران، رفض استمرار الحرب وتحويل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح. وفي النهاية، أظهرت حرب رمضان أن التهديد الحقيقي الذي تدركه أنقرة لا يكمن في دولة بعينها، بل في منطق الهيمنة الإقليمية الذي تسعى إسرائيل والولايات المتحدة إلى فرضه. ولهذا، فإن السياسة التركية خلال الحرب – سواء على مستوى الدبلوماسية الوقائية أو الحياد النشط أو إدارة الرأي العام – عكست حسابات واقعية قائمة على منع انهيار التوازن الإقليمي وتجنب تحوّل تركيا إلى الهدف التالي.
جواد صبوري كزج
باحث في مرکز بنیان