
المقدمة
علي صالحيان
في تحليل السياسة والأمن، توجد دائمًا علاقة متبادلة بين البنية والفاعل؛ إذ يمكن للفاعلين أن يؤثروا في أسلوب صنع القرار، وتحديد الأولويات، وكيفية توظيف القدرات، لكنهم يعملون في الوقت نفسه داخل بُنى تشكلت عبر الزمن وتتمتع بقواعد وخبرات ومتطلبات ومنطق مؤسسي مستقر نسبيًا. ومن ثم، فإن تغيير قائد لا يعني بالضرورة القطيعة مع المسار السابق، كما أن الاستقرار التنظيمي لا يعني غياب التحول في الاستراتيجيات وأساليب العمل.
كما اتسم الهيكل العسكري والأمني للجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال العقود الماضية بنوع من الاستمرارية والاستقرار المؤسسي. فقد واصلت المؤسسات، وتقسيم المهام، والذاكرة التنظيمية، وخبرات الحروب والأزمات المختلفة، وجغرافيا التهديد، وبعض المبادئ العامة في مجال الردع والأمن القومي، عملها بصورة مستقلة عن تداول الأشخاص. وفي مثل هذا الهيكل، يمكن لدخول القادة وخروجهم، أكثر من كونه نقطة بداية لمسار جديد كليًا، أن يؤدي إلى تعزيز بعض الاتجاهات القائمة أو تسريعها أو إعادة تعريفها أو تعميقها، على غرار التحولات التي أعقبت حرب الاثني عشر يومًا وفي مجال العمل الهجومي وتصميمه الفسيفسائي.
من هذا المنظور، لا تكمن أهمية التعيينات الأخيرة في مجرد تغيير الأسماء؛ بل ينبغي التساؤل عن العلاقة بين اختيار أشخاص ذوي خبرات محددة في المجالات العسكرية والاستخبارية والأمن الداخلي والعمليات العابرة للحدود والحروب البرية والبحرية ومجالات الحرب الحديثة، وبين التغييرات التنظيمية في المستويات العليا للقيادة، من جهة، والتحولات في البيئة الأمنية الإيرانية، من جهة أخرى. ولا سيما أن تجربة الحرب الأخيرة أبرزت ضرورة اتخاذ القرارات بصورة أسرع، وزيادة التنسيق بين القوات، والتعامل المتزامن مع التهديدات العسكرية والاستخبارية والسيبرانية والمعرفية والداخلية. وقد حظي في بعض مذكرات هذه المجموعة أيضًا موضوع دمج هيكل القيادة وزيادة تركيزه بوصفه أحد أهم مؤشرات هذا الاتجاه.
وبناءً على ذلك، تحاول التقارير التالية دراسة التغييرات الأخيرة لا بوصفها مجرد مجموعة من التعيينات، بل ضمن إطار أوسع يشمل التعلم المؤسسي، وإعادة ترتيب القيادة، والتحول في مفهوم الردع، ومواءمة البنية العسكرية ـ الأمنية مع بيئة التهديد الجديدة. وتوجد اختلافات بين الكتّاب في مدى الدلالات التي يستخلصونها واتجاهها، إلا أن مجموع هذه الرؤى يتيح رسم صورة متعددة الأبعاد للمنطق الحاكم على التغييرات الأخيرة.
1. التغييرات العسكرية في إيران؛ من هرم القيادة إلى الاستراتيجية
الدكتور مصطفى نجفي، باحث في الأمن الدولي

لا يمكن تحليل التغييرات الأخيرة في البنية العسكرية والأمنية الإيرانية على مستوى تغيير القادة أو تغيير الترتيب التنظيمي للقوات المسلحة فحسب. فهذه التحولات، على مستوى أعمق، تعكس تغيرًا في أسس العقيدة العسكرية والحسابات الاستراتيجية الإيرانية؛ وهو تغير تسارع بصورة خاصة بعد فشل مذكرة تفاهم إسلام آباد، ويمكن الآن ملاحظة مؤشراته في اختيار القادة، وكيفية توزيع المسؤوليات، وتعريف دور القوات المسلحة في البيئة المحيطة بالبلاد.
ويتمثل أهم تحول في الانتقال التدريجي من استراتيجية ذات طابع ردعي ودفاعي في الغالب إلى استراتيجية أكثر هجومية ونشاطًا. ووفق هذا النهج، لا يقتصر الهدف على رد التهديد أو زيادة كلفة مهاجمة إيران، بل تسعى طهران أيضًا إلى فرض قواعدها الأمنية والعسكرية المفضلة على البيئة المحيطة بها. ويكتسب الخليج الفارسي، ولا سيما مضيق هرمز، أهمية خاصة في هذا الإطار؛ بمعنى أن إيران تسعى إلى استخدام قدراتها العسكرية والجيوسياسية ليس للدفاع فحسب، بل أيضًا لإنشاء أدوات ضغط والتأثير في سلوك الطرف المقابل.
ويجب البحث عن الأساس الرئيسي لهذا التحول في تجربة حرب الأربعين يومًا ونتائجها. فلم تكن هذه الحرب بالنسبة إلى إيران مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت اختبارًا لقياس مدى كفاءة هيكل القيادة، والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، والعمق الاستراتيجي، وقدرة الصمود، والأهم من ذلك، كفاءة العقيدة القائمة. وقد أفضت هذه التجربة إلى ضرورة إعادة النظر في بعض الافتراضات السابقة والانتقال نحو عقيدة يحتل فيها أخذ زمام المبادرة، والعمل الاستباقي، وزيادة الكلفة على العدو، ونقل ساحة الضغط إلى البيئة المحيطة، مكانة أكثر بروزًا.
ومن هذا المنظور، ينبغي فهم تغيير القادة أيضًا ضمن هذا الإطار. فجزء من هذه التغييرات يمثل استجابة لمتطلبات العقيدة الجديدة؛ أي إن القوات والقادة الأكثر توافقًا مع متطلبات الاستراتيجية الأكثر هجومية، والعمليات المركبة، والحرب متعددة الطبقات، والاستخدام الأكثر نشاطًا لأدوات النفوذ الإقليمية، يكتسبون أهمية أكبر. أما الجزء الآخر فيتعلق بإعادة ترتيب القوات على أساس عقيدة القيادة الثالثة؛ وهي عقيدة تتسم بأهمية مضاعفة لتماسك القيادة، والسيطرة على الهياكل الأمنية والعسكرية، وإيجاد التنسيق بين مختلف مستويات القوة.
لذلك، ينبغي النظر إلى ما يحدث باعتباره يتجاوز مجرد «تغيير القادة». فقد تكون هذه التغييرات جزءًا من عملية إعادة تعريف العلاقة بين القيادة السياسية، والبنية الأمنية، والقوات المسلحة. ومن هذا المنظور، تعمل القيادة الثالثة على ترسيخ موقعها في القوات المسلحة والبنية الأمنية ـ السياسية للبلاد، وتسعى في الوقت نفسه إلى مواءمة ترتيب القيادة مع متطلبات المرحلة الجديدة من السياسة الأمنية الإيرانية.
وبوجه عام، يمكن القول إن إيران تنتقل من نمط «الردع في مواجهة التهديد» فحسب إلى نمط «الردع النشط وفرض الكلفة»؛ وهو نمط تُستخدم فيه القوة العسكرية ليس لمنع الحرب فحسب، بل لتشكيل البيئة الأمنية وتغيير حسابات الطرف المقابل.
وبوجه عام، فإن تغيير القادة، وإعادة ترتيب الهياكل، وزيادة دور أدوات مثل مضيق هرمز، تمثل مكونات مختلفة لتحول واحد يتمثل في محاولة بناء هندسة أمنية جديدة تتناسب مع تجربة حرب الأربعين يومًا والمرحلة الجديدة للقيادة في إيران.
2. إعادة تصميم القيادة العسكرية: دمج الأركان، وتكامل الاستخبارات والعمليات
سيد بیجمان مدني، باحث أول في الدراسات الاستراتيجية في مركز ممتن للدراسات

في أولى التغييرات العسكرية المهمة التي أجراها القائد الجديد لإيران، أقدمت الجمهورية الإسلامية على إعادة بناء واسعة في قيادة قواتها المسلحة. وفي 10 أغسطس 2026، عُيّن ستة قادة عسكريين كبار في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، والحرس الثوري الإسلامي، ومنظمة البسيج.
يتمثل أهم تغيير هيكلي في الدمج الرسمي لمقر خاتم الأنبياء المركزي في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، والذي يُدار الآن بقيادة اللواء علي عبد اللهي، وهو طيار ذو خبرة طويلة. ويشير هذا الدمج إلى عزم جاد على زيادة التماسك العملياتي المشترك وتقليص الازدواجية البيروقراطية. ووفقًا للتقارير، تتجاوز مهام اللواء عبد اللهي التخطيط العسكري التقليدي لتشمل أيضًا الإشراف على ما تسميه العقيدة العسكرية الإيرانية «الحرب المعرفية والمركبة»، بما يدل على إدراك مؤسسي للتهديدات الناشئة.
وبالمقدار نفسه، يكتسب تعيين اللواء أحمد وحيدي قائدًا عامًا للحرس الثوري أهمية كبيرة. ويتمتع اللواء وحيدي بسجل متميز يشمل خبرة واسعة في العمليات الاستخبارية العابرة للحدود، وكذلك في الشؤون الأمنية الداخلية. وتشير هذه الخبرة المزدوجة إلى أن النهج العملياتي للحرس سيعمل بصورة متزايدة على دمج التقييمات الاستخبارية بالقيادة الميدانية، وتعزيز التنسيق المؤسسي بين المهام الأمنية والعسكرية.
ويضيف تعيين اللواء حسين طائب، أحد قدامى العاملين في استخبارات الحرس، لقيادة منظمة البسيج بُعدًا جديدًا إلى بنية التعبئة الشعبية في إيران. ونظرًا إلى اتساع عضوية البسيج ونفوذه العميق في المجتمع، قد يعزز هذا التعيين دور المنظمة في جمع المعلومات ومراقبة الأمن الداخلي، وهي قدرة لا تزال نادرة بين الهياكل المماثلة على مستوى العالم.
وبوجه عام، تشير هذه التعيينات إلى تحول ملحوظ من نهج تفاعلي إلى إطار استباقي تحت عنوان الاستعداد لـ«الردع الأقصى». ومن خلال تركيز القيادة، ودمج القدرات الاستخبارية، وتوسيع التعريفات العملياتية بحيث تشمل أيضًا الحرب المركبة والمعرفية، عملت إيران على إعداد مؤسستها العسكرية لمواجهة تعقيدات التهديدات غير المتكافئة الحديثة، بالتزامن مع تأمين حدودها الاستراتيجية.
3. التغييرات العسكرية والأمنية في إيران؛ التحول إلى عقيدة هجومية صارمة
الدكتور أميرحسين عرببور، باحث في الدراسات الاستراتيجية

آية الله السيد مجتبى خامنئي، القائد الأعلى للثورة الإسلامية، أحدث خلال الأسبوعين الماضيين، بإصدار عدد من المراسيم، تغييرات جوهرية في البنية العسكرية والأمنية للبلاد، بما يدل على تحول في النموذج الاستراتيجي الدفاعي واعتماد عقيدة هجومية.
دلالات التغيير في هيكل القيادة والأمن: يمكن اعتبار أهم تعيين في هيكل القيادة دمج هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة مع مقر خاتم الأنبياء المركزي، بما يجعل اللواء عبد اللهي، بصورة ما، المسؤول الأول وصاحب القرار النهائي في القرارات الاستراتيجية والعملياتية للقوات المسلحة الإيرانية. وفي الوقت نفسه، فإن تعيين العميد كيومرث حيدري نائبًا للواء عبد اللهي في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، مع خبرة تزيد على عقد في قيادة القوات البرية للجيش الإيراني، يدل على الأهمية المتزايدة للحروب البرية وحروب العصابات في المعارك المقبلة.
وفي الوقت نفسه، فإن تعيين اللواء وحيدي في منصب القيادة العامة للحرس الثوري، وكذلك تعيين اللواء إيزدي نائبًا للقائد العام للحرس الثوري، يدل على نهج هجومي وتوجهات تكنولوجية ودولية. ويتمتع العميد وحيدي بخبرة في قيادة قوة القدس، وكذلك في وزارتي الدفاع والداخلية، ويبدو أن توجهات قوة القدس في عهده ستصبح أكثر هجومية وستشهد مزيدًا من العمليات العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، أعلن العميد نقدي، مستشار القائد العام للحرس، صراحة أن إيران تنظم قواتها لتنفيذ عمليات داخل أراضي العدو، وليس للدفاع عن الحدود فحسب. وقد انعكس هذا التغيير أيضًا في مراسيم تعيين القادة، حيث جرى التأكيد على «الردع الأقصى» و«الاستعداد لعمليات هجومية قوية». واللواء إيزدي، الذي كان يتولى قيادة مقر الحرب السيبرانية والتهديدات الجديدة التابع لمقر خاتم الأنبياء المركزي، هو شخصية استراتيجية مطلعة على المجالات الحديثة والتكنولوجية لحروب المستقبل، ويمكنه تعزيز توجهات الحرس في مجال الحروب الحديثة.
وعلى الصعيد الداخلي، فإن عودة حجة الإسلام حسين طائب (الرئيس السابق لمنظمة استخبارات الحرس الثوري الإسلامي) إلى منصب رئيس منظمة البسيج، وهو صاحب خبرة طويلة في المجالين الأمني والاستخباري، تشير إلى تركيز نظام الحكم على السيطرة الأمنية ومراقبة المجتمع، ولا سيما مع المشاركة الشعبية المستمرة في الشوارع لمواجهة أي اضطرابات محتملة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. وترسم هذه إعادة الهيكلة صورة لنظام أمني مركزي ومستعد لمواجهة تهديدات متعددة الأوجه.
وفي نهاية المطاف، فإن تعيين اللواء محسن رضائي ممثلًا لقائد الثورة وأمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، بعد فترة قصيرة للعميد ذو القدر، يدل على استياء آية الله خامنئي من أدائه خلال فترة توليه أمانة المجلس، كما أن دراسة مواقف العميد رضائي العسكرية والأمنية منذ حرب السنوات الثماني مع العراق وحتى المرحلة الراهنة تدل على توجهه الهجومي والقائم على القوة، وتزيد من صرامة التنسيق بين الدبلوماسية والمجال العسكري، وتقلل كثيرًا من احتمال تراجع إيران عن مواقفها في المفاوضات المحتملة.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، تحمل هذه التحولات رسالة واضحة إلى واشنطن. فالفريق العسكري والأمني الجديد أكثر استعدادًا للمخاطرة، وأكثر ميلًا إلى المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ولا يهدف هذا النهج إلى الحصول على مكاسب من خلال ممارسة الضغط على الولايات المتحدة فحسب، بل يُتبع أيضًا بهدف التأثير في نتائج انتخابات التجديد النصفي في هذا البلد. وبعبارة أخرى، تسعى إيران إلى تغيير حسابات الطرف المقابل من خلال إظهار القوة الهجومية وممارستها.
4. من تجربة الحرب إلى الترتيب الجديد؛ التحول في هيكل القيادة العسكرية الإيرانية
عليرضا أميرآقائي، باحث في الشؤون الدولية

تشير التعيينات الجديدة لعدد من كبار القادة العسكريين الإيرانيين إلى مساعي القائد العام للقوات المسلحة في هذا البلد لزيادة حركية القوات المسلحة، وتسريع دورة صنع القرار، وإعادة استعداد الجمهورية الإسلامية الإيرانية لمواصلة الحرب مع الولايات المتحدة والنظام الصهيوني.
وتشير سوابق كل واحد من القادة الجدد، إلى جانب هيكل صنع القرار الجديد، إلى أن الاستراتيجية العسكرية الإيرانية بعد حرب رمضان وانتهاك مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية تتحرك نحو مزيد من الهجومية، وأن إيران تعتبر استمرار الحرب مع الولايات المتحدة احتمالًا قائمًا بقوة، وتحافظ على استعداد كامل له.
ويشير تعيين رئيس منظمة تعبئة المستضعفين، الذي كان سابقًا رئيسًا لمنظمة استخبارات الحرس الثوري الإسلامي، إلى أن القوات الشعبية المؤيدة للجمهورية الإسلامية الإيرانية تستعد لبيئة أمنية أكثر تشددًا في البلاد ولحرب برية محتملة من جانب العدو.
كما أن أحمد وحيدي، الذي عُيّن قائدًا للحرس الثوري الإسلامي، ومحسن رضائي، الذي عُيّن أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي في البلاد، كانا على التوالي قائدًا لقوة القدس في الحرس الثوري وقائدًا للحرس الثوري الإسلامي خلال الحرب بين إيران والعراق. ولديهما خبرة واسعة في إدارة الحرب المفروضة التي استمرت ثماني سنوات بين إيران والعراق وفي العمليات العابرة للحدود لقوة القدس، ما أدى إلى فرض الولايات المتحدة عقوبات عليهما.
وعلي عظمايي، القائد الجديد للقوات البحرية في الحرس الثوري الإسلامي، الذي كان سابقًا نائب الشهيد تنكسيري، تولى منذ بداية نشاطه في الحرس الثوري مسؤوليات مختلفة في مجال القوات البحرية، ويتمتع بإلمام جيد بجغرافيا الخليج الفارسي ومضيق هرمز، كما أُدرج في عام 1398 في قائمة العقوبات الأمريكية.
وفي هذا السياق، يشير دمج هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة ومقر خاتم الأنبياء المركزي (ص) أيضًا إلى زيادة التنسيق العملياتي، ومواءمة الهيكل العسكري مع خبرات الحرب الأخيرة، وزيادة التنسيق بين مختلف القوات.
ونتيجة لهذه التعيينات، فإنها، أكثر من كونها بمفردها مؤشرًا على قرار الدخول في حرب جديدة، تدل على أن هيكل صنع القرار العسكري الإيراني يهيئ نفسه لبيئة يُنظر فيها إلى احتمال استمرار المواجهة العسكرية أو تكرارها بوصفه احتمالًا جديًا. وإلى جانب ذلك، زادت هذه التعيينات من تركيز هيكل صنع القرار ومن التنسيق بين الجيش والحرس والقيادة المركزية.
5. التعلم المؤسسي وإعادة بناء الردع؛ قراءة في التعيينات الجديدة في إيران
الدكتور محمدرضا محمدي؛ باحث في شؤون غرب آسيا ومركز مستقبل دراسات العالم الإسلامي

ينبغي النظر إلى التعيينات الجديدة في رئاسة هيئة الأركان العامة، والحرس الثوري، والقوات البحرية للحرس، والبسيج، بصورة مجتمعة، لا بوصفها عدة تغييرات إدارية منفصلة. فعلي عبد اللهي في هيئة الأركان العامة، وأحمد وحيدي في الحرس الثوري، وعلي عظمايي في القوات البحرية للحرس، وحسين طائب في البسيج، يمثل كل منهم قطعة من صورة أكبر. وهي صورة تقول إن طهران لم تعد تفكر فقط في قيادة القوات، بل تعمل على تكييف هندستها الأمنية مع الحقائق الجديدة. وفي ما يلي، ستتم دراسة دلالات هذه التعيينات بالنسبة إلى مستقبل السياسة الأمنية الإيرانية، وما قد تترتب عليها من تداعيات إقليمية.
أول دلالة لهذه التغييرات هي تركيز القيادة. فانتقال عبد اللهي من مقر خاتم الأنبياء إلى هيئة الأركان العامة يعني أن المسافة بين غرفة الحرب وغرفة صنع القرار قد تقلصت. كما أن حضور كيومرث حيدري يدل على الدور المتزامن للجيش في البنية العسكرية العامة، وعلى محاولة عمل الجيش والحرس ضمن سلسلة واحدة. وهذا يعني أن طهران تنتقل من تقسيم العمل التقليدي نحو تكامل القيادة.
أما الموضوع الثاني فهو إعادة الربط بين الأمن الداخلي والحرب الخارجية. فأحمد وحيدي، بخبرته في وزارة الداخلية ووزارة الدفاع، وحضور حسين طائب، بخلفيته الأمنية في منظمة استخبارات الحرس، على رأس البسيج، يظهران أن الحرس والمؤسسات الأمنية لم يعودوا يريدون الاستعداد لساحة الحرب الخارجية وحدها. فالحرب المعرفية، والأزمة الداخلية، وشبكات التواصل الاجتماعي، والرأي العام، أصبحت الآن جزءًا من ساحة المعركة الأكبر نفسها التي يتعين على القادة العسكريين إدارتها.
الموضوع الثالث يتعلق بالجغرافيا. فتعين علي عظمايي في القوات البحرية للحرس يعني أن هرمز لا يزال قلب حسابات طهران. وعظمايي من أبناء المناطق الجنوبية في إيران، وقد عُيّن منذ عام 1391 أول قائد للمنطقة البحرية الخامسة المنشأة حديثًا، منطقة الإمام الباقر، المتمركزة في بندر لنغه على الخليج الفارسي. وتمتد منطقة مسؤولية هذه المنطقة من قشم إلى كيش، وتشمل أيضًا جزر تنب وأبو موسى. وقد تولى قيادة هذه المنطقة نحو ثلاثة عشر عامًا، وهي إحدى أطول فترات تولي المنصب على ذلك المستوى في هذه القوة، وهو يدرك جيدًا أن السيطرة على المضيق ليست مسألة عسكرية فحسب؛ بل هي أداة للضغط والردع وإيصال الرسائل السياسية. ومن خلال هذا التعيين، أعلنت طهران عمليًا أنها لا تفصل أمن الطاقة والممرات المائية عن عقيدتها الدفاعية.
وفي الواقع، ينبغي القول إن إيران تعمل على إنشاء هيكل تكون فيه القيادة أكثر تركيزًا، والحرس أكثر تعددًا في طبقاته، وجغرافيا الجنوب أكثر حضورًا، ويُعرَّف الأمن الداخلي بوصفه جزءًا من الحرب. وهذا يعني، من منظور طهران، أن الردع لم يعد مجرد صواريخ؛ بل إن القدرة على اتخاذ القرار بسرعة، والحفاظ على التماسك الداخلي، والسيطرة على اختناقات الطاقة، تمثل أيضًا جزءًا منه. والرسالة إلى الخارج واضحة أيضًا: تحاول طهران أن تظهر أنه حتى إذا تلقت ضربة، فإنها تعيد بناء هيكلها بسرعة، ويمكنها إدارة جبهات متعددة في الوقت نفسه.
وبوجه عام، تربط هذه التعيينات الستة بين أربع طبقات: القيادة، والقوة العسكرية، والجغرافيا الاستراتيجية، والعمق الاجتماعي. ويمكن تسمية ما يتشكل حاليًا «هندسة الأمن ـ الحرب ـ المجتمع». وكانت تجربة الحرب الأخيرة المحرك الرئيسي لهذه إعادة التصميم، وهي حرب شملت الاستخبارات، والطائرات المسيّرة، والصواريخ، والدفاع الجوي، والفضاء السيبراني، والحرب المعرفية، والبنية التحتية، والضغط الاقتصادي. وفي مثل هذه البيئة، يجب أن يتغير هيكل القيادة أيضًا. ويمكن اعتبار هذه التعيينات جزءًا من عملية التعلم المؤسسي بعد الحرب، التي لا يتمثل هدفها في مجرد ملء شواغر القيادة، بل في إنشاء هيكل يستطيع في الحرب المقبلة اتخاذ القرارات بسرعة أكبر وربط مختلف جبهات التهديد.
الخلاصة
تُظهر مجمل المذكرات أن التعيينات والتغييرات العسكرية ـ الأمنية الأخيرة في إيران يمكن فهمها، قبل كل شيء، في اتجاه زيادة تركيز القيادة، وتقليص دورة صنع القرار، وزيادة التنسيق بين القوات المسلحة.
ويشكل دمج بعض الهياكل وإعادة ترتيب القادة، إلى جانب تجربة الحرب الأخيرة، مؤشرًا على نوع من التعلم المؤسسي ومحاولة لمواءمة البنية العسكرية مع بيئة أكثر تعقيدًا وتعددًا في الطبقات، تُطرح فيها التهديدات العسكرية والاستخبارية والسيبرانية والمعرفية بصورة متزامنة.
وعلى المستوى الاستراتيجي أيضًا، يؤكد الكتّاب الانتقال نحو ردع أكثر نشاطًا، وفي بعض الحالات أكثر هجومية؛ وهو نهج لا يقتصر على رد التهديد، بل يركز على زيادة الكلفة على الطرف المقابل، والتأثير في حساباته، واستخدام أدوات النفوذ الإقليمية. وفي هذا الإطار، أصبح الترابط بين الاستخبارات والعمليات العسكرية والأمن الداخلي أكثر بروزًا، واكتسبت الحروب المركبة والسيبرانية والمعرفية أهمية أكبر. كما لا يزال الخليج الفارسي ومضيق هرمز أحد العناصر الأساسية في حسابات الردع والأمن الإيرانية.
في المجموع، لا يمكن اعتبار هذه التغييرات، بمفردها، مؤشرًا على قرار حاسم بالدخول في حرب جديدة، إلا أنه يمكن تقييمها بوصفها دالة على أن احتمال استمرار المواجهة العسكرية أو تكرارها يُؤخذ بجدية، وعلى زيادة الاستعداد لها. ولذلك، فإن الصورة النهائية لا تعكس قطيعة بقدر ما تشير إلى تعميق بعض الاتجاهات القائمة داخل بنية مستقرة نسبيًا؛ من زيادة تركيز القيادة وتسريع صنع القرار إلى ردع أكثر نشاطًا، وترابط أعمق بين المجالين الاستخباري والعملياتي، والاستعداد لتهديدات متعددة الأوجه.