
كان من اللافت التصريح الذي قاله الرئيس السوري أحمد الشرع في أن سوريا هي البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي لايشهد حرباً حالياً، في إشارة الى الحرب الأمريكية الاسرائيلية على ايران وماتشهده المنطقة الخليجية والعالم من تبعات لهذه الحرب، طبعا وذلك بالمقارنة مع 14 عاما من الحرب الطاحنة التي شهدتها سوريا وسقط على إثرها نظام بشار الأسد أو نظام البعث السوري كما يسميه البعض. فهل سوريا حقاً لا تشهد حرباً؟ وهل هي بعيدة عن الحرب التي تشهدها المنطقة؟
نعود الى الرئيس السوري نفسه ففي تصريح آخر نسبه إليه مقربون من وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي أثناء لقائه به في دمشق مؤخرا (ابريل الماضي)، أشار الشرع إلى مخاطر خسارة الجمهورية الاسلامية الايرانية للحرب أمام اسرائيل وأشار إلى خطر أن تكون دمشق المحطة التالية للمخطط الاسرائيلي، و رغم نفي مكتب الشرع لهكذا تصريحات فإن الخبر انتشر كالنار في الهشيم، ليس لعدم طيب العلاقات بين دمشق و طهران حاليا والتي تشهد شبه إنقطاع منذ 2024، بل لأن وجهة النظر هذه (بأن سوريا ستكون أول المتضررين من انكسار آخر سد أمام إسرائيل والمتمثل بإيران، بغض النظر عن نظرة الحكام الجدد في سوريا الى إيران أو موقفهم منها)، ليست وجهة نظر تقتصر على سوريا بل يتبناها كثر وقادة وازنون من العالمين العربي والإسلامي.
فالعديد من الدول العربية وحتى تلك التي هادنت اسرائيل- باتفاق أو دون اتفاق- تخشى من التوسع والهيمنة الاسرائيلية المخطط لها في المنطقة والتي رعتها وهيأت لها الإدارات الأمريكية المتعاقبة وتجاهر بها بطريقة جلفة الإدارة الأمريكية الحالية، بل زد على ذلك انه حتى باكستان وتركيا ومصر تتحسس رؤسها من إمكانية اندفاع إسرائيلي ضدهما إما أمنيا أو إقتصاديا أو حتى عسكري غير مباشر كالتآمر مع أعدائهم أو منفاسيهم أو حتى تنفيذ اغتيالات لعدد من شخصياتهم المهمة، كما يحدث في تحالف اسرائيل مع الهند ضد باكستان وتحالف اسرائيل مع اثيوبيا في قضية سد النهضة ضد مصر وكما يحدث في الإعلام الاسرائيلي وحتى بين أروقة السياسيين الاسرائيليين من استهداف كلامي حاد لتركيا وحتى اتهامها بالارهاب والحديث علناً عن أنها الخصم القادم (بعد إيران) لا محالة، خاصة مع تمدد نفوذها في سوريا.
اذن هذه التصريحات إن لاقت سوقا لرواجها فليس لأنها مؤقتة أو عابرة أو تواكب “الترند” (كما يقال)، بل لأنها واقعية وتدخل ضمن ملامح ومخططات وتصريحات إسرائيلية بل وتحركات على الأرض أبرزها ما قامت وتقوم به اسرائيل في الجنوب السوري.
الجنوب السوري في قلب المخطط الإسرائيلي
احتلت اسرائيل فور سقوط النظام السوري السابق 2024 (بعد أقل من 48 ساعة) مساحات واسعة من الجنوب السوري شملت المنطقة العازلة الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة وأجزاءً واسعة من المنطقة المنزوعة السلاح، التي يمتد طولها إلى أكثر من 75 كيلومترًا ويتراوح عرضها بين 10 كيلومترات في الوسط و200 متر في أقصى الجنوب، متقدمةً إلى عمق أجزاء من محافظتي ريف درعا الغربي والقنيطرة. وأقامت تسع قواعد عسكرية وهناك تقارير أنها تبني العاشرة. وماتزال تنفذ عمليات عسكرية وتوغلات دورية في درعا والقنيطرة علاوة على الاعتقالات التي وصل بعضها الى ريف دمشق الجنوبي كما جرى في بلدة بيت جن وحصلت اشتباكات قتل على إثرها 13 مواطنا سوريا من أهالي البلدة التي لاتبعد عن قلب العاصمة دمشق سوى 50 كيلومتراً.
قواعد وبوابات عسكرية تمهد للاستيطان وللزحف البري نحو دمشق إن لزم الأمر
في 9 أبريل/نيسان، أعلن وزير المالية الاسرائيلي المتطرف وأحد أبرز دعاة الاستيطان، بتسلئيل سموتريتش، بصراحة أنه “سيكون هناك شق سياسي حاسم في سوريا يشمل (تاج جبل الشيخ) والمنطقة العازلة على الأقل”، في إشارة إلى منطقة القمة الإستراتيجية لجبل الشيخ (حرمون) الواقعة ضمن الجولان المحتل والمشرفة على جنوب سوريا ولبنان.
ومن الناحية العسكرية كشفت صور الأقمار الصناعية ديسمبر/ كانون الأول 2024 ونوفمبر/ تشرين الثاني 2025 عن طوق من التحصينات والمواقع العسكرية ينتظم في تشكيل سلسلة تمتد على طول ريف القنيطرة. ويبرز في أقصى الشمال موقعا “جباتا الخشب” و”الحميدية” ككتلة عسكرية متراصة يفصل بينهما 2.3 كم فقط، ما يمنح الاحتلال سيطرة كاملة على المداخل الشمالية لمنطقة العمليات.

وفي “جباتا الخشب”، أنشأت القوات الإسرائيلية نقطة عسكرية قامت لاحقاً بتطويرها إلى قاعدة محصنة بعد تجريف واسع طال نحو 2500 دونم من الأراضي الحرجية والزراعية. أما في “الحميدية”، فقد هدمت قوات الاحتلال 16 منزلاً لشييد قاعدة عسكرية في وقت قياسي لم يتجاوز 50 يوماً، وقامت بتهجير 12 عائلة، لتتحول المنطقة لاحقاً إلى مركز رصد وتحكم غربي المحافظة.
كما عمدت إلى تحويل “العدنانية”، الواقعة إلى الجنوب الغربي من سد المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، نقطة ارتكاز محورية في شبكة توسع الاحتلال الإسرائيلي، حيث أُنشئت فيها قاعدة عسكرية جديدة.
أضف إلى هذه الممرات منطقة “تل الأحمر الغربي” التي أضحت نقطة إستراتيجية حاكمة تشرف على ريف القنيطرة، بالإضافة إلى ريفي درعا الغربي والشمالي.
وبمعزلٍ عن سياسة الممرات؛ أمكن لنا عبر صور الأقمار الصناعية رصد أربع “بوابات” عسكرية، تضطلع كل منها بوظيفة عملياتية محددة حيث تظهر بوابة “أبو غيظار” التي تربط بين الجولان المحتل وريفي القنيطرة ودرعا بوضوع كـ“منفذ الدخول” الحصري للآليات المدرعة المتجهة إلى وادي الرقاد غربي درعا. في حين تمثل بوابة “الأصبح” طريقاً مباشراً نحو قرية الرفيد، وأما بوابة “الرزانية” تشكل المدخل الرئيسي لمنطقة صيدا الحانوت. أما بوابة “مجدل شمس”، فقد خصصتها القوات الإسرائيلية لمرور القوافل العسكرية الثقيلة المتجهة نحو قاعدة “قرص النفل”.

وتعمل إسرائيل بشكل منهجي على تشييد حزام أمني جغرافي متصل، يمثل “قوساً يمتد من شمال المنطقة إلى جنوبها” ويرتكز هذا المشروع على الاحتلال الإستراتيجي للمرتفعات الطبيعية الحاكمة ما يضمن لها قدرات استطلاع دائم وسيطرة نارية شاملة تغطي عمق الجنوب السوري.
وعن سياسة الاستيطان والاعتقالات تواجه الأحياء السكنية في منطقة حوض اليرموك، في قرى معرية وجملة وعابدين وكوية مداهمات إسرائيلية ليلية متكررة، تخللها احتجاز مؤقت للأهالي. وتعتمد العمليات الإسرائيلية في درعا على القصف المدفعي الانتقائي والمداهمات الليلية الخاطفة بدلاً من عمليات المسح العسكري الشاملة.
كما شهدت بداية العام 2026 يناير/كانون الثاني، عمليات رش ممنهجة لمواد كيميائية مجهولة فوق الأراضي الزراعية والمراعي المحاذية للشريط العازل. كقرى كودنة والعشة والأصبح في ريف القنيطرة الجنوبي وجاء في إفادات أهالي المنطقة التي وصلتنا من هناك، بأن الطائرات واصلت التحليق لنحو أربع ساعات متواصلة وهي تنفث مادة غير محددة، لتتوسع عمليات الرش في الأسابيع التالية لتطال ريف القنيطرة الشمالي وتغطي مسافة تتجاوز 65 كيلومتراً على طول خط وقف إطلاق النار لعام 1974، مخلفةً أضراراً واسعة النطاق في غضون أيام، حيث قالت مصادر محلية بأن “مساحات شاسعة من الأراضي الخضراء ذبلت وفي ريف القنيطرة الجنوبي وحده تضرر ما يقدر بـ 3500 دونم من المراعي بما في ذلك 1500 دونم من الأراضي الحرجية التي كانت قوات الاحتلال قد أقدمت على قطع أشجارها مطلع عام 2025”.
وتسببت هذه الإجراءات في تضرر مئات المزارعين ورعاة الأغنام بشكل مباشر في هذه المجتمعات، التي تمثل فيها الزراعة والثروة الحيوانية الركيزة الأساسية لسبل العيش، وتفضح هذه الممارسات محاولات اسرائيل لـ “تهجير السكان، عبر تدمير سبل عيشهم ومصادر دخلهم”، وأصبح هذا واضحا لكل من تطأ قدمه دمشق حيث يشاهد فيها العديد من أهالي درعا والقنيطرة وهم يشتكون فقدان زراعتهم وحتى بيوتهم جراء ممارسات الاحتلال.
ويجب الانتباه هنا الى أن اسرائيل تمارس السياسة ذاتها في لبنان، الجار اللصيق لسوريا، حيث سجلت السلطات اللبنانية قيام القوات الاسرائيلية بعمليات رش عسكرية مماثلة على طول حدوده، حيث تبيّن أن المادة المستخدمة هي “غليفوسات” وهو مبيد أعشاب تصنفه منظمة الصحة العالمية على أنه مادة “يُحتمل أن تكون مسرطنة للبشر”.
بناء على هذا الرصد لايمكن إلا القول بأن سوريا تقع في قلب المخطط الإسرائيلي وأنها إن لم نقل تشهد حرباً غير معلنة فإنها على أعتاب مخطط اسرائيلي عميق في معناه وتنفيذه قد يشمل خطوات عسكرية اسرائيلية لم تشهدها المنطقة العربية منذ آخر حرب شاملة خاضتها مع اسرائيل عام 1973 والتي جرت في شهر رمضان المبارك وعرفت بحرب العاشر من رمضان.
علاء دهني
باحث في مرکز بنیان