من التبعية الأمنية إلى الشراكة الإقليمية: إعادة تعريف النظام الأمني في الخليج الفارسي خلال مرحلة التحوّل

مدة القراءة: 9 دقيقة

جولای 27, 2026

ارتكزت البنية الأمنية لمنطقة الخليج الفارسي طوال عقود على نموذج الحضور العسكري للقوى الدولية، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية. وقد ترسّخ هذا النموذج عقب حرب عام 1991، حيث قُدِّمت المظلّة الأمنية الأمريكية لبعض الدول العربية الخليجية مقابل تكريس حالة من التبعية الاستراتيجية والحدّ من الاستقلال السيادي لهذه الدول. غير أنّ التحولات الكبرى التي شهدها النظام الدولي والإقليمي خلال العقدين الأخيرين، بما في ذلك تغيّر أولويات القوى الكبرى، وتصاعد التهديدات غير التقليدية، وارتفاع كلفة الصراعات الإقليمية، أظهرت حدود هذا النموذج وأثارت تساؤلات جدّية حول قدرته على إنتاج استقرار مستدام.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أنّ الخليج الفارسي يعيش اليوم مرحلة انتقالية تاريخية، تتراجع فيها فعالية نموذج “الأمن المستورد”، في مقابل تزايد الحاجة إلى بناء نظام أمني إقليمي قائم على التعاون والتوازنات المحلية. ومن خلال الاستناد إلى مقاربة نظرية مركّبة تجمع بين الواقعية البنيوية، ونظرية المجمّع الأمني الإقليمي، والبنائية، تسعى الدراسة إلى تحليل “المفارقة الأمنية” الناتجة عن الوجود العسكري الأجنبي، ثم تقترح خارطة طريق انتقالية تهدف إلى تقليص التبعية الأمنية وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي للدول الإقليمية، وصولاً إلى بلورة نظام أمني تشاركي قائم على الاعتراف المتبادل بالمصالح والأدوار الجيوسياسية.

وتخلص الدراسة إلى أنّ الأمن المستدام في الخليج لا يمكن تحقيقه عبر استمرار الارتهان للقوى الخارجية، بل من خلال إدارة ذكية لمرحلة التحوّل وبناء منظومة أمنية إقليمية منبثقة من داخل المنطقة نفسها.

المقدّمة

شكّل الخليج الفارسي عبر العقود الماضية إحدى أكثر المناطق حساسية في النظام الدولي، نظراً لموقعه الجيوسياسي الحيوي واحتضانه النسبة الأكبر من احتياطات الطاقة العالمية، فضلاً عن كونه ساحة تداخل للمصالح الدولية والإقليمية. ومنذ نهاية الحرب الباردة، وبالأخص بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، تشكّل نظام أمني إقليمي قائم بصورة أساسية على الحضور العسكري الأمريكي المباشر، حيث انتشرت القواعد العسكرية والأساطيل والمنشآت اللوجستية الأمريكية في عدد من دول الخليج العربي، وأصبح الوجود الأمريكي جزءاً بنيوياً من معادلة الأمن الإقليمي.

هذا النموذج قام على معادلة واضحة: توفير الحماية الأمنية للدول الخليجية مقابل ضمان النفوذ الاستراتيجي الأمريكي في المنطقة. وقد رأت العديد من الدول الخليجية الصغيرة في هذه المعادلة وسيلة لضمان بقائها في مواجهة التهديدات الإقليمية، خصوصاً بعد تجربة الغزو العراقي للكويت. إلا أنّ هذا النمط من الترتيبات الأمنية أوجد مع مرور الزمن علاقة تبعية استراتيجية عميقة، بحيث باتت القدرات الدفاعية والسياسات الأمنية لتلك الدول مرتبطة بصورة وثيقة بالقرار الأمريكي.

لكن التجارب المتراكمة خلال العقود الثلاثة الماضية أظهرت أنّ هذا النموذج لم ينجح في إنتاج استقرار دائم. فالحروب المتلاحقة، بدءاً من غزو العراق عام 2003، مروراً بتداعيات الربيع العربي والحرب اليمنية، وصولاً إلى الهجمات التي استهدفت المنشآت النفطية الخليجية، كشفت حدود فعالية المظلّة الأمنية الأمريكية. كما أنّ التحوّل في أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وتركّز الاهتمام الاستراتيجي الأمريكي على مواجهة الصين في شرق آسيا، دفع العديد من القوى الإقليمية إلى إعادة التفكير في مدى موثوقية الحماية الأمريكية.

في هذا السياق، تطرح هذه الدراسة سؤالاً مركزياً: كيف يمكن لدول الخليج الفارسي أن تدير تداعيات الوجود العسكري الأجنبي، وفي الوقت ذاته تؤسس لنظام أمني إقليمي أكثر استقلالاً وتعاوناً؟ للإجابة عن هذا السؤال، تعتمد الدراسة على إطار تحليلي مركّب. فالواقعية البنيوية تفسّر منطق الارتهان الأمني في ظل بيئة دولية فوضوية، ونظرية المجمّع الأمني الإقليمي توضّح الترابط البنيوي بين أمن دول المنطقة، بينما تساعد البنائية في فهم إمكان حدوث تحوّل إدراكي في تصورات الدول ومصالحها بما يسمح ببناء أنماط جديدة من التعاون.

أولاً: المفارقة الأمنية في الخليج الفارسي

أنتج الوجود العسكري الأمريكي في الخليج ما يمكن وصفه بـ”المفارقة الأمنية”، أي الحالة التي تتحوّل فيها أدوات إنتاج الأمن نفسها إلى مصدر لتوليد التهديدات. فمن الناحية النظرية، كان الهدف من القواعد العسكرية الأجنبية هو تعزيز الردع وحماية الدول الخليجية، إلا أنّ النتائج العملية أظهرت أنّ هذه القواعد أسهمت في تعقيد البيئة الأمنية الإقليمية بدلاً من تهدئتها.

أول مظاهر هذه المفارقة يتمثل في تآكل السيادة الوطنية. فوجود قواعد عسكرية أجنبية دائمة يفرض قيوداً على القرار السيادي للدول المضيفة، سواء عبر الاتفاقيات الأمنية الخاصة بوضع القوات الأجنبية، أو من خلال استخدام الأراضي الخليجية في عمليات عسكرية لا تنسجم بالضرورة مع المصالح الوطنية للدول المضيفة. وقد برز ذلك بوضوح خلال حرب العراق عام 2003، عندما استُخدمت قواعد الخليج كمنصات انطلاق لعمليات عسكرية كبرى، ما جعل العديد من الدول الخليجية طرفاً غير مباشر في صراعات إقليمية معقدة.

أما المظهر الثاني للمفارقة الأمنية فيتمثل في تحوّل تلك القواعد إلى أهداف استراتيجية. فمن منظور إيران، لا تُعتبر القواعد الأمريكية في الخليج منشآت دفاعية محايدة، بل أدوات لفرض الهيمنة الأمريكية وتهديد الأمن القومي الإيراني. لذلك، أصبحت هذه القواعد جزءاً أساسياً من الحسابات العسكرية الإيرانية، وهدفاً مباشراً لأي مواجهة محتملة. وقد أدى ذلك إلى تطوير إيران لقدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة ضمن استراتيجية الردع غير المتكافئ.

كما أظهرت التطورات الإقليمية الأخيرة أنّ الوجود العسكري الأمريكي لم يمنح الدول الخليجية حصانة مطلقة، بل جعلها في قلب أي تصعيد محتمل. فبدلاً من أن تكون بعيدة عن خطوط المواجهة، تحوّلت إلى ساحات متقدمة للصراع الإقليمي، الأمر الذي رفع منسوب المخاطر الأمنية عليها.

إلى جانب ذلك، ساهم الحضور العسكري الخارجي في تعميق “المعضلة الأمنية” داخل المنطقة. فالإجراءات التي تتخذها بعض الدول لتعزيز أمنها عبر التحالف مع الولايات المتحدة تُفسَّر من قبل إيران كخطوات عدائية، ما يدفعها إلى اتخاذ تدابير مضادة، سواء عبر تطوير قدراتها العسكرية أو توسيع نفوذها الإقليمي. وبهذا تدخل المنطقة في حلقة متواصلة من انعدام الثقة والتصعيد المتبادل.

ثانياً: إدارة المرحلة الانتقالية وتقليص التبعية

على الرغم من تنامي الإدراك بحدود النموذج الأمني القائم، فإن الانتقال نحو نظام جديد لا يمكن أن يتم بصورة فجائية. فالدول الخليجية ما تزال مرتبطة بعلاقات عسكرية واقتصادية عميقة مع الولايات المتحدة، كما أنّ هواجسها الأمنية لم تختفِ بالكامل. لذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى مرحلة انتقالية تُدار بعناية، يكون هدفها تقليص التبعية الأمنية بصورة تدريجية.

أولى ركائز هذه المرحلة تتمثل في تنويع الشراكات الاستراتيجية. إذ لم يعد من الواقعي أن تعتمد أي دولة بصورة مطلقة على قوة دولية واحدة. ومن هنا بدأت بعض الدول الخليجية بالفعل في توسيع علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع قوى أخرى مثل الصين وروسيا وفرنسا. غير أنّ المطلوب لا يقتصر على تنويع مصادر التسليح، بل يشمل إعادة صياغة التصور الاستراتيجي للأمن بحيث يصبح متعدد الأبعاد والشركاء.

الركيزة الثانية هي تفعيل الدبلوماسية الإقليمية وخفض التوترات. فكلما تراجعت حدة التهديدات المتبادلة، انخفضت الحاجة إلى الحماية الخارجية. ويُعد الاتفاق الإيراني السعودي برعاية صينية عام 2023 مثالاً مهماً على هذا الاتجاه، إذ عكس إدراكاً متبادلاً بأن استمرار الصراع يستنزف الجميع. صحيح أنّ الاتفاق لم يتحول بعد إلى شراكة استراتيجية كاملة، لكنه شكّل خطوة مهمة نحو إعادة بناء الثقة.

كما أنّ تعزيز الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين دول المنطقة يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في تخفيف احتمالات الصدام. فالعلاقات الاقتصادية العميقة ترفع كلفة النزاعات وتجعل الاستقرار مصلحة مشتركة لجميع الأطراف.

أما الركيزة الثالثة فتتمثل في إعادة تعريف الأطر القانونية للعلاقات العسكرية مع القوى الأجنبية. إذ ينبغي للدول الخليجية أن تسعى إلى ضبط استخدام القواعد العسكرية الأجنبية ضمن شروط واضحة تضمن عدم استخدام أراضيها في عمليات هجومية ضد دول الجوار دون موافقتها الصريحة. مثل هذه الخطوات يمكن أن تسهم في تقليل المخاوف الإقليمية وتعزيز السيادة الوطنية.

الركيزة الرابعة تقوم على تبني مبدأ “عدم تحويل الأراضي الخليجية إلى مصدر تهديد للجيران”. وهذا المبدأ، الذي نجحت سلطنة عمان في تطبيقه بدرجة كبيرة عبر سياستها المتوازنة، يمكن أن يشكّل قاعدة لبناء الثقة الإقليمية. فكلما شعرت الدول الإقليمية بأن الوجود العسكري الخارجي ليس موجهاً ضدها، تقلّصت دوافع التصعيد والمواجهة.

ثالثاً: نحو نظام أمني تشاركي جديد

إنّ جوهر الأزمة الأمنية في الخليج لا يكمن فقط في وجود القوات الأجنبية، بل في غياب نظام إقليمي قادر على إدارة التوازنات والصراعات بصورة جماعية. فالقوى الخارجية دخلت إلى المنطقة أساساً نتيجة الفراغ الأمني والعجز الإقليمي عن إنتاج ترتيبات مستقلة.

وفقاً لنظرية المجمّع الأمني الإقليمي، فإن أمن دول الخليج مترابط بصورة بنيوية، بحيث إنّ أي تهديد يصيب دولة معينة ينعكس مباشرة على بقية الدول. ومن هنا، فإن أي نظام أمني مستدام لا بد أن يكون قائماً على التعاون بين القوى الإقليمية الرئيسية، وفي مقدمتها إيران والسعودية والعراق ودول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى تركيا ومصر بوصفهما فاعلين مؤثرين في التوازنات الإقليمية.

التجربة التاريخية لما عُرف بسياسة “الركيزتين” في سبعينيات القرن الماضي توضح هشاشة النظم الأمنية المفروضة من الخارج. فقد اعتمدت الولايات المتحدة آنذاك على إيران الشاه والسعودية لضبط أمن الخليج، لكن سقوط النظام الإيراني بعد الثورة الإسلامية أدى إلى انهيار كامل لهذا النموذج. ويكشف ذلك أنّ أي نظام يعتمد بصورة مفرطة على الهيمنة الخارجية يظل هشاً أمام التحولات الداخلية والإقليمية.

غير أنّ المتغير الأهم في المرحلة الحالية يتمثل في التحول الإدراكي الذي بدأ يظهر لدى القوى الإقليمية. فالسعودية باتت تدرك أنّ إيران تمثل قوة إقليمية راسخة لا يمكن إقصاؤها، كما أنّ إيران أصبحت أكثر وعياً بالدور المركزي للسعودية في العالمين العربي والإسلامي. وهذا التحول في الإدراك يفتح الباب أمام إمكانية بناء علاقات قائمة على التعايش بدلاً من الصراع الصفري.

وقد أسهمت الأزمات الإقليمية، من سوريا إلى اليمن وليبيا، في ترسيخ قناعة لدى مختلف الأطراف بأن أياً منها غير قادر على فرض هيمنته الكاملة على المنطقة. ومن هنا تتزايد الحاجة إلى صياغة ترتيبات قائمة على إدارة التوازنات بدلاً من السعي إلى الحسم الشامل.

رابعاً: مرتكزات النظام الأمني التشاركي

يمكن تصور النظام الأمني الإقليمي الجديد على أساس أربعة مرتكزات رئيسية.

أول هذه المرتكزات هو الاعتراف المتبادل بالأدوار الإقليمية. فاستقرار المنطقة يتطلب قبول كل طرف بحقيقة وجود مصالح ونفوذ مشروعين للأطراف الأخرى. وهذا يعني تجاوز منطق الإقصاء والانتقال إلى منطق التوازن والتعايش.

المرتكز الثاني يتمثل في فهم غير احتكاري لمفهوم “مجالات النفوذ”. ففي منطقة مثل الشرق الأوسط، تتداخل الروابط المذهبية والثقافية والسياسية بصورة معقدة، ولا يمكن التعامل مع النفوذ باعتباره ملكية حصرية. إن الاعتراف بهذه الحقيقة يمكن أن يحوّل التنافس من صراع هدّام إلى إدارة مشتركة للمصالح.

أما المرتكز الثالث فيقوم على إعادة توجيه القدرات الإقليمية نحو التهديدات المشتركة. فوجود تهديدات عابرة للحدود، سواء كانت مرتبطة بالإرهاب أو عدم الاستقرار أو التهديدات الخارجية، يمكن أن يشكّل أساساً لبناء تعاون أمني جماعي.

المرتكز الرابع هو إدارة التوازنات وفق مبدأ التكامل لا الإقصاء. فلكل دولة في المنطقة عناصر قوة مختلفة؛ فبعضها يمتلك القوة الاقتصادية، وبعضها يمتلك العمق الجيوسياسي أو القدرات العسكرية أو الثقل السكاني. والنظام التشاركي يفترض توظيف هذه المزايا بصورة تكاملية تخدم استقرار المنطقة بأكملها.

 

الخاتمة

يقف الخليج الفارسي اليوم أمام لحظة تاريخية مفصلية. فالنظام الأمني الذي تشكّل بعد حرب الخليج الثانية بات يواجه تحديات عميقة، سواء بسبب تراجع القدرة الأمريكية على الانخراط المباشر، أو نتيجة التحولات البنيوية في البيئة الإقليمية والدولية. وقد أثبتت التجربة أنّ الاعتماد المفرط على القوى الخارجية لم ينجح في تحقيق الاستقرار المستدام، بل ساهم في تكريس التبعية وتعميق التوترات.

إنّ الانتقال نحو نظام أمني إقليمي أكثر استقلالاً لن يكون سهلاً أو سريعاً، لكنه أصبح ضرورة استراتيجية. ويتطلب هذا الانتقال إدارة تدريجية وواقعية تقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز الحوار الإقليمي، وإعادة تعريف العلاقات الأمنية مع القوى الخارجية، وبناء قواعد جديدة للثقة المتبادلة.

وفي المدى الأبعد، فإن مستقبل الأمن في الخليج سيعتمد على قدرة القوى الإقليمية على بناء نظام تشاركي قائم على الاعتراف المتبادل بالمصالح، وإدارة التوازنات بصورة جماعية، وتغليب منطق التعاون على منطق الصراع الصفري. فالأمن الحقيقي لا يمكن استيراده من الخارج، بل يُبنى من داخل المنطقة نفسها، عبر إرادة سياسية مشتركة ورؤية استراتيجية تتجاوز حسابات اللحظة نحو تأسيس استقرار طويل الأمد.

 

علي رضا مجيدي

باحث في مرکز بنیان

أحدث المحتويات
الأكثر زيارة