
مقدمة
علي صالحيان
كشفت التطورات التي أعقبت الحرب الأخيرة أن قضية مضيق هرمز لم تعد قابلة للقراءة من زاوية اقتصاد الطاقة وحده؛ فلا عائدات النفط، ولا تكاليف الشحن، ولا حجم الضغوط التي تتعرض لها الأسواق العالمية، تكفي لتفسير ما بات يمثله المضيق في الحسابات الإيرانية.
صحيح أن أي اضطراب في هذا الممر المائي ينعكس سريعاً على تدفقات الطاقة والتجارة الدولية، غير أن جوهر المسألة، من منظور طهران، أصبح يرتبط بقضايا أكثر عمقاً: الأمن القومي الإيراني، واحتواء مصادر التهديد، وموقع إيران داخل الترتيبات الأمنية للخليج الفارسي.
فهرمز، بالنسبة إلى إيران، ليس مجرد ورقة يمكن استخدامها لإلحاق خسائر اقتصادية بالخصم، بل جزء من منظومة ردع أوسع، تتصل بالسيناريو الذي يصبح فيه أمن الأراضي الإيرانية، بل وقدرة الدولة نفسها على ممارسة سيادتها وإظهار قوتها، موضع تهديد مباشر. ولذلك فإن السؤال الإيراني في مرحلة ما بعد الحرب لم يعد ببساطة: هل يبقى المضيق مفتوحاً أم يُغلق؟ بل أصبح يدور حول كيفية تحييد التهديدات وممارسة النفوذ والسيادة في هذه العقدة الجيوستراتيجية الحساسة.
وأحدثت الحرب، بالتوازي مع ذلك، تحولاً آخر في الحسابات الاستراتيجية لطهران. فمواجهة ما نُظر إليه داخل إيران بوصفه تهديداً وجودياً لأمن الدولة خفّضت، مقارنة بالماضي، عتبة اللجوء إلى القوة العسكرية.
لم تكن القدرات الصاروخية والبحرية والمسيّرة والحرب غير المتماثلة أمراً جديداً في الترسانة الإيرانية، لكن الجديد أن الحرب ربطت تلك القدرات بخبرة عملياتية فعلية، وباستعداد سياسي أكبر لاستخدامها.
وفي ظل هذه المعادلة، لم يعد الخيار العسكري بالضرورة الورقة الأخيرة التي لا تُستخدم إلا بعد استنفاد كل الأدوات الأخرى. فإذا تجاوز الخصم الخطوط الحمراء الأمنية، يمكن للعمل العسكري أن يدخل الحسابات باعتباره إحدى أدوات الردع المتاحة.
وهذا لا يعني أن طهران باتت تبحث عن حرب شاملة، وإنما أن ميزاناً مهماً تغير داخل عملية اتخاذ القرار: العلاقة بين كلفة الفعل وكلفة الامتناع عن الفعل. فعندما يُنظر إلى التهديد بوصفه وجودياً، قد تصبح كلفة الصمت أو تحمل الضغوط من دون رد أعلى، في نظر صانع القرار الإيراني، من كلفة الدخول في مواجهة محسوبة.
وهنا تحديداً تبرز أهمية مضيق هرمز. فهو النقطة التي تلتقي فيها الجغرافيا بالقوة العسكرية، وأمن الطاقة بالردع، والسيادة الوطنية بالصراع على شكل النظام الأمني الإقليمي.
وتتناول الدراسات التالية هذا التحول من زوايا مختلفة: هرمز كرافعة للردع وإدارة الضغوط، وهرمز بوصفه هدفاً استراتيجياً قائماً بذاته، وضرورة الحفاظ على قيمته الجيوسياسية، ثم إمكانية تحويل هذه الجغرافيا إلى أساس لترتيبات أمنية جديدة في الخليج الفارسي.
وإذا كان هناك خيط واحد يجمع هذه القراءات، فهو أن القضية في مرحلة ما بعد الحرب لم تعد تقتصر على حجم الخسائر الناتجة عن إغلاق المضيق أو إعادة فتحه. السؤال الأهم بات: من سيحدد قواعد الأمن في هرمز؟ وضمن أي ترتيبات؟ ومن سيمتلك، في نهاية المطاف، القدرة الأكبر على التأثير في بنية الأمن في الخليج الفارسي؟
قراءة استراتيجية لمعركة هرمز ومستقبل التوترات

علي محرابي
باحث في الشؤون الدولية
أدخلت الجولة الجديدة من الاشتباكات المحدودة والمتبادلة بين إيران والولايات المتحدة خلال الأيام الماضية منطقة الخليج الفارسي في مرحلة جديدة من الردع النشط.
فالضربات المتبادلة أظهرت أنه، رغم استمرار الإغلاق العملياتي لمضيق هرمز من جانب طهران، واستمرار الحصار البحري الأمريكي في مرحلة ما بعد حرب رمضان، لا يبدو أي من الطرفين مستعداً للقبول بالمعادلة التي يحاول الآخر فرضها.
وبذلك دخلت شبكة التفاعلات الإقليمية في غرب آسيا، ولا سيما في الخليج الفارسي، واحدة من أكثر مراحل حرب الاستنزاف وإدارة التصعيد تعقيداً.
تقوم العقيدة العملياتية الإيرانية في المرحلة الحالية على ثلاثة مرتكزات رئيسية.
الأول هو تثبيت الردع من خلال الرد السريع والقوي. فقد أظهرت جولات التصعيد التي أعقبت حرب رمضان، بما فيها هجمات اليومين الماضيين، أن طهران تتحرك بصورة متزايدة من منطق «الصبر الاستراتيجي» نحو منطق الرد الفوري والمتناسب، بهدف منع الولايات المتحدة من إعادة رسم الخطوط الحمراء أو اختبار حدودها بصورة متكررة.
أما المرتكز الثاني فهو تحويل أمن الطاقة والملاحة الدولية إلى رافعة ضغط استراتيجية. ومن خلال تطبيق نموذج «منع الوصول وحرمان الخصم من حرية الحركة»، أو ما يعرف في الأدبيات العسكرية باستراتيجية A2/AD، تعمل إيران على رفع المخاطر المرتبطة بالملاحة في المنطقة.
والرسالة التي تريد طهران إيصالها واضحة: لا يمكن استمرار الحصار البحري عليها، وفي الوقت نفسه توقع عودة تدفق الطاقة وحركة التجارة والترانزيت عبر عقدة هرمز إلى وضعها الطبيعي.
أما المرتكز الثالث فهو تدويل كلفة الضغط الاقتصادي. فبدلاً من أن تبقى تبعات الحصار البحري الأمريكي محصورة داخل الاقتصاد الإيراني، تحاول طهران نقل جزء من هذه الكلفة إلى سوق الطاقة وشبكات النقل والتجارة الدولية، بما يدفع القوى من خارج المنطقة إلى إعادة حساباتها والضغط باتجاه تعديل الوضع القائم.
هرمز في قلب معادلة الردع الجديدة
على المستوى العسكري، تشير التحركات الميدانية الأخيرة وطبيعة الضربات إلى أن البنية الدفاعية والهجومية الإيرانية، رغم الضغوط العملياتية الكبيرة التي تعرضت لها خلال حرب رمضان وجولات الاشتباك اللاحقة، ما زالت تحتفظ بدرجة مرتفعة من الصمود والمرونة التكتيكية.
ويتيح الاعتماد على الحرب غير المتماثلة، وعقيدة الدفاع الفسيفسائي، ومنصات إطلاق الصواريخ المتحركة، والمنشآت والمدن والمخازن تحت الأرض، الحفاظ على جزء مهم من قدرة إيران على تنفيذ ضربات دقيقة ومتبادلة من مسافات بعيدة.
وطهران، وفق هذا المنطق، لا تبدو راغبة في بدء حرب شاملة، لكنها تحافظ على بنية عسكرية قادرة على خوض مواجهة استنزافية طويلة ومكلفة للطرف الآخر.
وفي ضوء التوترات الأخيرة، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للمرحلة المقبلة.
المسار الأول هو استمرار الاشتباكات المتبادلة، ولكن ضمن حدود يمكن التحكم بها. ويستند هذا السيناريو إلى رغبة الطرفين في الحفاظ على الردع من دون الانتقال إلى حرب مفتوحة. وفي حال استمر هذا المسار، ستبقى أسواق الطاقة عرضة لتقلبات حادة، فيما يتواصل الضغط الاقتصادي على إيران ويتراكم الاستنزاف العسكري لدى الطرفين.
المسار الثاني هو الانزلاق إلى مواجهة مباشرة وواسعة النطاق. وقد يكون خطأ في الحسابات، أو سقوط عدد كبير وغير متوقع من الضحايا، كافياً لنقل الأزمة من الضربات المحسوبة إلى حرب أكثر اتساعاً. وفي هذه الحالة، قد تتوسع قائمة الأهداف لتشمل منشآت حيوية للطاقة وموانئ رئيسية في عدد من الدول العربية في المنطقة.
أما المسار الثالث فهو فتح قنوات دبلوماسية مؤقتة. ويصبح هذا الاحتمال أكثر واقعية إذا وصلت الخسائر الاقتصادية، سواء بالنسبة إلى إيران أو الاقتصاد العالمي، إلى مستويات يصعب استمرار تحملها. عندها قد يصبح الاتفاق على تخفيض تدريجي للهجمات، بالتوازي مع هدنة بحرية تكتيكية ومؤقتة، مخرجاً مرحلياً من الأزمة.
وتشير المعطيات الراهنة إلى أن السيناريو الأول ما زال الأكثر ترجيحاً: حصار بحري أمريكي مستمر، وإغلاق إيراني لهرمز، وضربات متبادلة لا تزال تحت سقف الحرب الشاملة.
غير أن استمرار هذا الوضع من دون مظلة سياسية أو دبلوماسية تكسر الانسداد الاقتصادي سيُبقي خطر الانتقال إلى السيناريو الثاني مرتفعاً.
فالمواجهة لم تعد اليوم اختباراً للقوة العسكرية وحدها؛ لقد تحولت أيضاً إلى اختبار لقدرة الطرفين على تحمل الكلفة الاقتصادية. واشنطن تعمل على تقليص الخيارات المالية واللوجستية المتاحة لطهران، فيما تسعى إيران، من خلال إبقاء عقدة هرمز تحت الضغط، إلى جعل اقتصاد الطاقة العالمي نفسه جزءاً من معادلة المواجهة.
مضيق هرمز؛ المصلحة الاستراتيجية الإيرانية والاستعداد للمواجهة العسكرية

د. علي هادوي
مدير مركز إيكوفيل للأبحاث
حوّلت الحرب الأخيرة مضيق هرمز، بالنسبة إلى إيران، من قدرة جيوسياسية كانت في معظمها كامنة إلى حقيقة استراتيجية ملموسة.
ويمكن، بهذا المعنى، وصف هرمز بأنه «كنز استراتيجي خفي» لإيران؛ فقد كان موجوداً قبل الحرب، لكن قيمته الحقيقية ظهرت عندما اتضح عملياً أن زعزعة أمن إيران يمكن أن تنعكس مباشرة على واحد من أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم.
لكن ثمة نقطة أساسية هنا: الوضع الجديد في هرمز لم يكن ثمرة خطة مسبقة وضعتها أي من القوى المتصارعة، بل نشأ بوصفه إحدى النتائج غير المقصودة للحرب.
ولهذا سيكون من الخطأ أن تستنزف إيران هذه الفرصة عبر التعامل مع المضيق بمنطق الملكية الحصرية، أو باعتبار أن لها مصلحة في تعطيل حركة المرور بصورة مستمرة. الأجدى هو تحويل ما نشأ خلال الحرب إلى موقع استراتيجي قابل للاستثمار على المدى الطويل.
المصلحة الإيرانية، وفق هذا التصور، تكمن في القدرة على فرض الكلفة من دون الاضطرار إلى فرض التعطيل بصورة دائمة.
فالحرب خلقت شكلاً جديداً من الردع الإدراكي. الحكومات، وشركات الطاقة، وشركات الملاحة والتأمين، والأسواق الدولية، أصبحت تدرك بصورة أكثر وضوحاً أن تدهور أمن إيران يمكن أن يؤدي إلى اضطراب عمل مضيق هرمز.
ومن ثم، فإن الردع الإيراني لا يتطلب إغلاق المضيق دائماً. يكفي أن تبقى قدرة طهران على تعطيله مصدّقة، ومفهومة، وقابلة للتنفيذ عند الضرورة.
وبالتالي، ينبغي أن يتركز الاستعداد العسكري على الحفاظ على هذه القدرة، لا على الإفراط في استخدامها.
أمام إيران، في هذا السياق، ثلاثة مسارات محتملة: تحويل هرمز إلى أداة للضغط والإغلاق المتكرر؛ أو التعامل معه كمصدر مباشر للإيرادات عبر رسوم المرور؛ أو الذهاب إلى خيار أكثر طموحاً يتمثل في تحويل المضيق إلى نواة لنظام جيوسياسي جديد.
ويفتح المسار الثالث أمام طهران مجالاً لمبادرة أوسع: الاحتفاظ بدور أمني ورقابي مؤثر، بالتوازي مع ضمان حركة التجارة، وتطوير السواحل الإيرانية باعتبارها شبكة متكاملة للخدمات المينائية، والتزود بالوقود، والصيانة، والتخزين، والإنقاذ البحري، والربط بين الممرات الإقليمية.
عندها تنتقل قيمة هرمز من «القدرة على إيقاف الحركة» إلى «القدرة على ضمان استمرارها».
وفي هذا النموذج، لا يعود الاستعداد العسكري والتنمية الاقتصادية مسارين منفصلين، بل يصبحان وجهين لاستراتيجية واحدة. فكلما ارتبطت التجارة والطاقة والممرات الإقليمية بدرجة أكبر بأمن هرمز وبنيته التحتية، ارتفعت كلفة تهديد إيران وتعزز عمق ردعها.
كما يمكن للعلاقة مع عُمان أن تتجاوز تفاهمات إعادة فتح المضيق، لتصبح جزءاً من إدارة عملية لترتيب جديد حول هرمز. وهكذا يمكن لإيران، على المدى الأبعد، أن تحول ميزتها الجغرافية من مجرد ورقة ضغط إلى منصة للربط الإقليمي.
مضيق هرمز؛ من أداة إلى هدف

د. محمد أمين أحمدي
باحث في الشؤون الدولية
أحدثت الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة تحولاً نوعياً في موقع مضيق هرمز داخل الحسابات الإيرانية: فبعد أن كان أداة تستخدمها طهران لتحقيق أهداف استراتيجية أوسع، بات اليوم هدفاً استراتيجياً قائماً بذاته.
لطالما نظرت إيران إلى المضيق باعتباره إحدى أهم أوراق الضغط التي تمتلكها. لكن المسألة اليوم لم تعد تقتصر على قدرتها على تقييد حركة الملاحة، بل أصبح الحفاظ على موقعها ودورها في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بهرمز جزءاً من مطالبها الأساسية.
وتشير التقارير الأخيرة إلى أن طهران طرحت شروطاً محددة لإعادة فتح المضيق، وتسعى إلى امتلاك دور في مراقبة حركة الدخول والإشراف على حركة السفن المغادرة.
وهذا التطور يكشف عن تحول في طبيعة القيمة التي يحملها هرمز بالنسبة إلى إيران. فقبل الحرب كان المضيق، في المقام الأول، وسيلة لتحقيق أهداف أخرى. أما الآن، فإن الحفاظ عليه بوصفه رافعة جيوسياسية أصبح جزءاً من الهدف نفسه.
وفقدان هذه الورقة لن يعني تراجع قدرة تكتيكية في الحرب الحالية فحسب. فإذا أدت الأزمة، على سبيل المثال، إلى تسريع إنشاء خطوط وممرات بديلة، أو إلى تطوير ترتيبات تقلل اعتماد دول المنطقة على هرمز، فإن القيمة الجيوسياسية للمضيق بالنسبة إلى إيران قد تتآكل على المدى البعيد.
ومن هنا، لم تعد المعضلة بالنسبة إلى طهران هي «فتح هرمز أو إغلاقه»، بل الحفاظ على أهميته الاستراتيجية.
الصراع لم يعد على عبور الناقلات فقط
في المقابل، يظهر السلوك الأمريكي أن هرمز أصبح أيضاً عقدة عملياتية رئيسية في الحرب.
فالهجوم الأمريكي الأخير على مواقع مرتبطة بمنصات إطلاق إيرانية في جزيرة لارك، والذي ربطته واشنطن بقدرة إيران على تهديد الملاحة في المضيق، يكشف أن السيطرة على البيئة العسكرية المحيطة بهرمز أصبحت مسألة عملياتية أمريكية مباشرة.
إلى جانب ذلك، تُتداول تقارير غير مؤكدة بشأن أعمال في منطقة مسندم العُمانية، من شأنها، إذا ثبتت صحتها، أن تزيد القيود المفروضة على وصول إيران العسكري والعملياتي باتجاه الجانب العُماني.
ومن هنا أيضاً ينبغي فهم استعداد طهران لقبول مخاطر التصعيد. فهذا الاستعداد لا يعني بالضرورة أن إيران تريد الحرب، بل يعني أنها قد تكون مستعدة لتحمل قدر أعلى من المخاطر إذا كان البديل هو فقدان مكانتها وورقة نفوذها في هرمز.
لذلك لم تعد معركة المضيق مجرد صراع على عبور ناقلات النفط. ما يجري هو جزء من منافسة أوسع على سؤال أكثر حساسية: من سيمتلك، بعد الحرب، النفوذ الأكبر في تحديد قواعد الأمن والملاحة في هذه العقدة الاستراتيجية؟
مضيق هرمز؛ رافعة إيران البنيوية لإعادة تعريف النظام الأمني في الخليج الفارسي

أمير حسين عسكري
باحث أول في مركز «سرآمد» لسياسات الاقتصاد والإدارة
انتقل مضيق هرمز خلال السنوات الأخيرة من كونه ممراً حيوياً للطاقة إلى واحد من أبرز بؤر التنافس الجيوسياسي والأمني في الخليج الفارسي.
وأظهرت تطورات عام 2026 أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمتلك قدرة ملموسة على رفع كلفة الملاحة ومخاطرها في هذه المنطقة. فالتداخل بين الموقع الجغرافي الإيراني والقدرات الصاروخية والبحرية والمسيّرة يمنح طهران قدرة على التأثير في حسابات القوى الإقليمية وتلك الآتية من خارج المنطقة.
وقد رفع ذلك الوزن الجيوسياسي لهرمز داخل منظومة الأمن القومي الإيراني، ورسخ موقعه بوصفه أحد مكونات الردع.
ومن هذا المنطلق، تقوم الاستراتيجية الإيرانية الجديدة تجاه المضيق على السعي إلى بناء ترتيبات أمنية مستقرة في الخليج الفارسي.
فإيران، بحكم جغرافيتها وقدراتها البحرية وتأثيرها المباشر في أمن المنطقة، تعتبر نفسها مؤهلة لأداء دور مركزي في هندسة هذه الترتيبات. وينبغي، وفق هذا التصور، أن يكون الهدف بناء ردع موثوق في مواجهة التهديد العسكري والضغط الاقتصادي ومحاولات فرض نماذج أمنية من جانب قوى من خارج المنطقة.
وفي الوقت ذاته، يخضع المضيق لقواعد القانون الدولي الخاصة بالممرات المستخدمة للملاحة الدولية، بما فيها الأحكام المتعلقة بالمرور العابر وما يترتب عليها من التزامات على الدول الساحلية. ويرى هذا الطرح أن التحركات الإيرانية ينبغي أن تُقرأ في إطار تلك القواعد ومبادئ القانون الدولي للبحار.
لكن امتلاك القدرة على تعطيل الملاحة لا يعني أن استخدامها على نطاق واسع ولفترات طويلة يخدم المصالح الإيرانية بالضرورة.
فاستمرار حالة عدم اليقين سيدفع دول جنوب الخليج الفارسي إلى الاستثمار بصورة أكبر في خطوط أنابيب بديلة، وموانئ تصدير جديدة، ومسارات برية، وبنى تحتية تقلل الاعتماد على المضيق.
كما أن استمرار الاضطراب يمكن أن ينعكس على إيران نفسها، سواء عبر صادرات الطاقة، أو واردات السلع، أو تدفقات العملات الأجنبية.
ولهذا فإن الحفاظ على القيمة الجيوسياسية لهرمز يستلزم إدارة مستوى الضغط بدقة، ومنع الإفراط في استخدام الورقة إلى حد استنزافها.
ويمكن للتواصل المنظم مع الدول الساحلية، وفي مقدمتها عُمان، أن يؤدي دوراً مهماً في تقليص سوء التقدير ومنع التصعيد غير المقصود.
وفي مثل هذا الإطار، يستطيع مضيق هرمز أن يتحول من أداة تستخدم في لحظات الأزمة إلى عنصر مستدام في استراتيجية الأمن القومي الإيراني؛ تُوظف جغرافيته لتعزيز القدرة على المساومة، وترسيخ الردع، والمساهمة في صياغة هندسة أمنية إقليمية تنبع من داخل الخليج الفارسي.
الخلاصة
من يملك قواعد الأمن في هرمز؟
تكشف محصلة هذه الرؤى أن الحرب الأخيرة أعادت تعريف موقع مضيق هرمز في استراتيجية الأمن القومي الإيراني.
فهرمز لم يعد مجرد وسيلة اقتصادية للضغط على أسواق الطاقة أو رفع كلفة المواجهة بالنسبة إلى الخصم؛ بل أصبح جزءاً من ملف أكبر يتعلق بـأمن إيران ومستقبل الهندسة الأمنية في الخليج الفارسي.
ولا تكمن قيمة المضيق، من هذا المنظور، في القدرة على إغلاقه بصورة دائمة. القيمة الأهم هي أن تستطيع إيران تثبيت حقيقة مفادها أن بناء أي نظام أمني مستقر في هذه المنطقة من دون مراعاة مصالح طهران وخطوطها الحمراء ودورها الأمني سيكون أمراً بالغ الصعوبة.
وبعبارة أخرى، يمكن اختصار الهدف الإيراني في هرمز في الحفاظ على القدرة على احتواء التهديدات الموجهة ضد إيران.
وتسعى طهران إلى ترسيخ معادلة لدى القوى الإقليمية والدولية تقول إن أمن إيران لا يمكن فصله بصورة كاملة عن أمن الملاحة وتدفقات الطاقة واستقرار الخليج الفارسي.
وفي الوقت نفسه، أدخلت الحرب الأخيرة عنصراً جديداً إلى هذه المعادلة: ارتفاع استعداد إيران السياسي والاستراتيجي لتحمل مخاطر المواجهة العسكرية.
فالتجربة المباشرة لتهديد اعتُبر وجودياً جعلت قرار استخدام القوة في الأزمات اللاحقة أقل استبعاداً مما كان عليه في السابق.
ولا يعني ذلك تبني سياسة حربية أو تفضيل الصراع المسلح؛ بل يعني أن طهران أصبحت تمتلك تجربة عملية في المواجهة المباشرة، واحتفظت بالبنى والأنماط التكتيكية اللازمة للرد، كما بات استخدام القوة، إذا تعرضت خطوطها الحمراء للتهديد، خياراً واقعياً داخل حساباتها السياسية والأمنية.
ولهذا لم يعد بإمكان الخصوم بناء استراتيجياتهم على افتراض ثابت مفاده أن إيران، مهما ارتفع مستوى الضغط عليها، ستعود بالضرورة إلى الصبر طويل الأمد أو ستقصر ردودها على الأدوات غير العسكرية.
وعليه، فإن مستقبل هرمز لن يُحسم في أسواق النفط وحدها، ولا في مؤشرات كلفة النقل والتأمين، وإنما قبل كل شيء في معادلة الردع والصراع على طبيعة النظام الأمني الذي سيولد بعد الحرب.
والسؤال الجوهري هو: هل ستقود مرحلة ما بعد الحرب إلى ترتيبات تعترف بإيران باعتبارها أحد الفاعلين الرئيسيين في توفير أمن الخليج الفارسي وإدارته؟ أم ستتجه القوى المقابلة إلى بناء نظام يحد من الدور الإيراني في محيطه الأمني؟
لهذا، لم يعد هرمز مجرد ممر تعبر من خلاله ناقلات النفط، ولا مجرد ورقة ضغط تُستخدم عند الضرورة. لقد أصبح ساحة تتقاطع فيها مسائل السيادة والردع والطاقة والنفوذ، وفوق ذلك كله، الصراع على من يملك حق صياغة قواعد الأمن في الخليج الفارسي بعد الحرب.
وإذا كانت الحرب قد غيرت شيئاً بصورة يصعب التراجع عنها، فهو أن مضيق هرمز لن يعود، في الحسابات الإيرانية ولا في حسابات خصومها، إلى المكانة التي كان يشغلها قبلها. فالمعركة المقبلة حول هرمز، سواء جرت بأدوات عسكرية أو سياسية أو اقتصادية، ستكون في جوهرها معركة على شكل النظام الإقليمي نفسه.