
المقدّمة
مرّ أكثر من شهرين على بدء العدوان المشترك غير القانوني الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. وفي الوقت الراهن تعيش إيران والولايات المتحدة حالة من وقف إطلاق نار هشّ قد يفضي إمّا إلى مفاوضات سلام أو إلى تجدّد المواجهات العسكرية. وفي هذا السياق يمارس كلّ طرف ضغوطاً على الآخر: فإيران تواصل إغلاق مضيق هرمز بما أدّى إلى ارتفاع أسعار الوقود عالمياً، بينما تفرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً وتسعى إلى تقليص صادرات النفط الإيرانية. وفي هذا الإطار يرى بعض المحلّلين أنّ حجم الضغوط الناجمة عن البيئة السياسية الداخلية الأمريكية على دونالد ترامب بلغ مستوى يجعله عاجزاً عن الاستمرار في الوضع الحالي لفترة طويلة، وبالتالي سيدفعه ذلك إلى التراجع عن مطالبه. وإذا تبنّى صانعو القرار في إيران مثل هذا التقدير، فإنّ لذلك تداعيات عملية بالغة الأهمية قد تؤثّر في مصير الدولة الإيرانية. ومن هنا تبرز ضرورة امتلاك إيران فهماً واقعياً ودقيقاً، بعيداً عن المبالغة، لحجم الضغوط الواقعة على ترامب. ولهذا الغرض تستعرض هذه الدراسة العوامل المختلفة التي تضغط على ترامب. وسيجري بيان الحجج التي قد تدعم فرضية أنّ هذه الضغوط يمكن أن تدفعه إلى تغيير سلوكه، وكذلك الحجج المقابلة التي تُظهر أنّ هذه العوامل لا تشكّل بالضرورة ضغطاً حاسماً عليه. وبعد موازنة هذه الحجج سيُمنح كلّ عامل تقييماً من 1 إلى 10؛ حيث يشير الرقم 1 إلى أنّ العامل لا يمثّل ضغطاً ذا دلالة، بينما يشير الرقم 10 إلى أنّه عامل يُحتمل بدرجة كبيرة أن يدفع ترامب إلى تعديل سلوكه. وفي الختام ستُناقش بصورة شاملة حقيقة حجم الضغوط الواقعة على ترامب.
القسم الأول: الاقتصاد الأمريكي — 7 من 10
الحجج المؤيّدة
بعد إغلاق مضيق هرمز شهدت ولايات أمريكية عديدة ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الوقود. ويتمثّل الخطر الأكبر لهذا الوضع على الاقتصاد الأمريكي في إمكان تسبّبه بارتفاع معدلات التضخم. وقد شهدنا بالفعل ارتفاع التضخم في شهر مارس إلى ما يزيد على ثلاثة في المئة، الأمر الذي يعني على الأرجح أنّ الاحتياطي الفيدرالي لن يُقدم على مزيد من خفض أسعار الفائدة. وهذا بدوره يعني أنّ الهدف الاقتصادي الأهم بالنسبة إلى ترامب، والمتمثّل في خفض سريع وكبير للفائدة من أجل تسريع النمو والتوظيف، لن يتحقق على الأرجح. ومن ثمّ لا شكّ في أنّ الوضع الحالي غير ملائم للحكومة الأمريكية وللاقتصاد الأمريكي. فهو يشكّل حالة أزمة بالنسبة إلى الرئيس الأمريكي. وقد شهدت رئاسة جو بايدن وضعاً مشابهاً تقريباً؛ إذ رغم نجاح خطط الإدارة في البداية في خفض التضخم الناتج عن جائحة كوفيد-19، فإنّ الحرب الروسية الأوكرانية أدّت إلى تباطؤ وتيرة تراجع التضخم في الولايات المتحدة. وقد تسبّبت هذه الأزمة التضخمية في أزمة شعبية لإدارة بايدن، وكان التضخم وتقدّم العمر من العوامل التي جعلت بايدن رئيساً لولاية واحدة، وهما عاملان موجودان أيضاً بالنسبة إلى ترامب. كما أنّ الرأي العام الأمريكي كان غير راضٍ عن الأداء الاقتصادي لترامب حتى قبل اندلاع الحرب، ولا سيما في ما يتعلق بالتضخم. ومن المؤكد أنّ المشكلات الناجمة عن الحرب ستؤدي إلى تفاقم هذا الاستياء، وهو ما بدأت استطلاعات الرأي تعكسه بالفعل. الحجج المعارضة غير أنّ هذه الصورة تنطوي على تعقيدات ينبغي أخذها في الاعتبار: عامل الزمن: إذا لم تتحوّل الحرب إلى صراع طويل واستنزافي، فمن المحتمل أن تنخفض أسعار الوقود سريعاً وأن يتراجع التضخم، وعندها قد يتمكن الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي، كين وورش ــ إذا صادق مجلس الشيوخ على تعيينه ــ من تنفيذ برنامجه المشترك مع ترامب لخفض أسعار الفائدة. أمّا إذا طال أمد الحرب فقد تتحول إلى أزمة اقتصادية كبرى في الولايات المتحدة، مع خطر حقيقي لحدوث ركود تضخمي حاد. غير أنّ استمرار الحرب قد يترافق أيضاً مع اغتيال كبار المسؤولين الإيرانيين وتدمير البنية التحتية الإيرانية، وليس من الواضح أن تكون كلفة هذا السيناريو على الولايات المتحدة أكبر من كلفته على إيران. عامل النفط الصخري: تمتلك الولايات المتحدة احتياطيات ضخمة من النفط الصخري، ورغم أنّ استخراجه غير مجدٍ اقتصادياً في الظروف العادية بسبب ارتفاع كلفته، فإنّ استمرار ارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة سيجعل استغلاله أكثر جدوى. وبالرغم من أنّ النفط الصخري ليس حلاً بسيطاً للأزمة الاقتصادية، فإنه يعزّز قدرة الولايات المتحدة على التحمّل. وبصورة عامة يمكن القول إنّ المشكلات الاقتصادية تمثّل ضغطاً مهماً على الرئيس الأمريكي، لكن ربما يكون ترامب قد توصّل إلى قناعة بأنّ قدرة الاقتصاد الأمريكي على الصمود أكبر من قدرة أطراف مثل إيران أو الصين أو أوروبا، ولذلك فهو مستعد لتحمّل هذه الضغوط.
القسم الثاني: مستوى الدعم الشعبي لترامب داخل الولايات المتحدة — 4 من 10
الحجج المؤيّدة
ليس من المستغرب أن يكون الرأي العام الأمريكي غير متحمّس لهذه الحرب. فحتى قبل اندلاعها كانت فكرة التدخل العسكري خارج الحدود الأمريكية غير شعبية إلى حدّ بعيد، كما أنّ الإدارة الأمريكية لم تبذل أي جهد فعلي لتبرير الحرب أو إعداد الرأي العام لها. ويختلف ذلك عن إدارة جورج بوش الابن التي أمضت نحو عام كامل في محاولة إقناع الأمريكيين بدعم غزو العراق. ويبدو أنّ أحد أسباب ذلك يعود إلى أنّ الولايات المتحدة افترضت خطأً أنّ الحرب ستكون قصيرة وأنّ إيران ستواجه مصيراً شبيهاً بفنزويلا، وبالتالي لم ترَ ضرورة لتعبئة الرأي العام. وبناءً على ذلك، فإنّ أغلبية الأمريكيين لا تؤيد حرب ترامب ضد إيران. فالأكثرية تعارض قرار ضرب إيران، كما أنّ نحو 67 في المئة من الأمريكيين غير راضين عن طريقة إدارة ترامب للحرب. كذلك لا يوافق معظم الأمريكيين على ادعاء ترامب بأنّ الولايات المتحدة انتصرت في الحرب، ويرى كثيرون أنّ الحرب تحمل تبعات اقتصادية خطيرة على البلاد، فيما يطالب ثلثا الأمريكيين بإنهاء الحرب سريعاً حتى لو كان ذلك يعني عدم تحقيق الأهداف العسكرية المعلنة. الحجج المعارضة أولاً، ينبغي الانتباه إلى أنّ الحرب ضد إيران، رغم عدم شعبيتها، لم تؤدّ إلى تراجع كبير في شعبية ترامب وفقاً لمتوسطات استطلاعات الرأي العلمية. فمستوى التأييد له يتراوح بين 35 و39 في المئة، وهي نسبة كارثية بالفعل، لكنها لم تختلف كثيراً عمّا كانت عليه قبل الحرب. ويعود ذلك إلى أنّ شعبية ترامب كانت قد وصلت أساساً إلى مستوى متدنٍّ للغاية قبل اندلاع الحرب، بحيث لم يعد هناك هامش واسع لمزيد من الانخفاض. فترامب لم يحظَ قطّ بدعم الليبراليين، وكان قد خسر بالفعل دعم معظم المستقلين والمحافظين غير الترامبيين قبل الحرب، ولم يبقَ معه سوى القاعدة الترامبية الصلبة وبعض الشرائح الصغيرة الأخرى، وهي فئات من المستبعد أن تتخلّى عنه بسبب الحرب. ثانياً، قد لا يكون الرأي العام مهماً جداً بالنسبة إلى ترامب أصلاً. فقد سبق له أن تبنّى سياسات غير شعبية كثيرة من دون أن يتراجع عنها، مثل سياساته الجمركية أو إرسال قوات عسكرية إلى المدن لتطبيق قوانين الهجرة. والحالة الوحيدة التي تراجع فيها كانت في قضية نشر وثائق إبستين، حيث لم يؤيده سوى 9 في المئة من الأمريكيين، وهي حالة استثنائية يصعب القياس عليها. وبصورة عامة، ونظراً إلى السجل الطويل لترامب في تجاهل الرأي العام، فإنّ هذا العامل لا يشكّل ضغطاً كبيراً عليه، وإن كان التراجع المستمر في شعبيته قد يضيف قدراً محدوداً من الضغط.

القسم الثالث: انتخابات الكونغرس — 3 من 10
الحجج المؤيّدة
يسيطر الحزب الجمهوري حالياً على مجلسي الكونغرس. غير أنّ الوضع الاقتصادي الأمريكي ومستوى شعبية ترامب عاملان يؤثران مباشرة في نتائج الانتخابات، وكلاهما غير ملائم للجمهوريين. ولذلك يشعر الاستراتيجيون الجمهوريون بالقلق من تأثير الحرب مع إيران على انتخابات الكونغرس. الحجج المعارضة أولاً، حتى من دون الحرب مع إيران، كان فقدان الجمهوريين السيطرة على مجلس النواب أمراً شبه محسوم، بينما كان انتصار الديمقراطيين في مجلس الشيوخ أكثر صعوبة. ثانياً، حتى لو سيطر الديمقراطيون على المجلسين، فلن تكون لذلك تبعات خطيرة على ترامب شخصياً؛ فهو يعتمد أساساً على الأوامر التنفيذية أكثر من اعتماده على التشريع، كما أنّ الديمقراطيين لن يحصلوا على أغلبية كافية لعزله أو تجاوز حق النقض الرئاسي. وثالثاً، من غير الواضح أساساً أنّ الحرب ستستمر حتى موعد الانتخابات، وحتى لو استمرت، فإنّ الناخب الأمريكي المستقل يمتلك ذاكرة سياسية قصيرة نسبياً، ما يجعل التأثير الانتخابي محدوداً. وعليه، فإنّ الاعتبارات الحزبية لا تبدو عاملاً ضاغطاً مهماً على ترامب، خصوصاً أنّه لم يُظهر في السابق اهتماماً كبيراً بمصالح الحزب الجمهوري إذا تعارضت مع مصالحه الشخصية
القسم الرابع: المهلة القانونية لإنهاء الحرب — 2 من 10
الحجج المؤيّدة
وفق قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973، يتعيّن على الرئيس الحصول على تفويض من الكونغرس بعد مرور ستين يوماً على بدء العمليات العسكرية. ومع حلول الأول من مايو 2026 انتهت هذه المهلة، ما يعني أنّ ترامب إمّا أن يحصل على تفويض من الكونغرس أو تصبح الحرب غير قانونية بصورة صريحة. الحجج المعارضة من الواضح أنّ الحرب منذ يومها الأول كانت تتعارض مع نصّ وروح القانون المذكور. فالقانون يسمح للرئيس بالتحرك العسكري من دون تفويض فقط إذا كان هناك تهديد فوري ومباشر للولايات المتحدة، أو إذا كانت العملية محدودة للغاية من حيث الهدف أو المدة أو الحجم، وهو ما لا ينطبق على الحرب ضد إيران. وعليه، لو كان الطابع غير القانوني للحرب كافياً لمنعها، لكان ذلك قد حدث منذ البداية. كما أنّ الكونغرس لا يبدو مستعداً للدخول في مواجهة جدّية دفاعاً عن صلاحياته، وحتى لو فاز الديمقراطيون لاحقاً، فإنّ وسائل فرض القانون ستظل محدودة
القسم الخامس: كأس العالم 2026 — 2 من 10
الحجج المؤيّدة
ستُقام بطولة كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بين 11 يونيو و19 يوليو. ومن شأن نجاح تنظيم البطولة أن يُعدّ إنجازاً إيجابياً لترامب ويُرضي رغبته في الظهور بوصفه «رئيساً عظيماً». كما أنّ استضافة كأس العالم تحمل عادة فوائد اقتصادية كبيرة. وقد تتأثر هذه الفوائد سلباً في حال استمرار الحرب أو إغلاق مضيق هرمز، ولا سيما بسبب ارتفاع أسعار الوقود والتضخم. الحجج المعارضة مع ذلك، فإنّ التأثير الاقتصادي للحرب أو لإغلاق المضيق ليس كبيراً بالدرجة التي تُفشل المكاسب الاقتصادية المرتقبة من البطولة. فمعظم التذاكر بيعت بالفعل، كما أنّ الشعبية العالمية لكرة القدم تجعل من غير المرجّح حدوث تراجع كبير في السياحة. وفوق ذلك، فإنّ ترامب سيرى على الأرجح أنّ القبول بصورة «الهزيمة» في الحرب أخطر بكثير من بعض التغطيات الإعلامية السلبية المتزامنة مع البطولة. كما أنّ كرة القدم لا تزال أقل أهمية في الثقافة الرياضية الأمريكية مقارنة بكرة القدم الأمريكية أو البيسبول أو كرة السلة.
القسم السادس: اللقاء مع شي جين بينغ — 6 من 10
الحجج المؤيّدة
يعتزم ترامب لقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ في 6 مايو 2026. وتشير تقارير موثوقة إلى أنّ ترامب يتوقع تحقيق إنجازات مهمة من هذا اللقاء، ويراه محطة محورية في سياسته الخارجية. وهذا ليس مستغرباً لمن يعرفون شخصية ترامب، إذ يؤمن بقوة بالدبلوماسية الشخصية بين القادة، ويثق بقدرته على عقد الصفقات عبر اللقاءات المباشرة. ولا يرغب ترامب في أن تطغى الحرب مع إيران على هذا اللقاء، بل يفضّل أن يركّز على القضايا الكبرى بين الصين والولايات المتحدة. ولذلك قد يشكّل اللقاء حافزاً له لتسريع التوصل إلى اتفاق مع إيران. الحجج المعارضة مع ذلك، لا ينبغي المبالغة في أهمية هذا اللقاء. فالقضايا المرتبطة بإيران تبقى ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى ترامب، وإذا شعر بأنّ أي اتفاق مع إيران لا يلبّي مطالبه الأساسية، فلن يقبله فقط من أجل الاجتماع مع شي. كما أنّ إيران لن تكون على الأرجح عقبة رئيسية أمام القضايا الأساسية في المفاوضات الأمريكية الصينية.

القسم السابع: انتخابات الرئاسة الأمريكية 2028 — 1 من 10
الحجج المؤيّدة
يطمح جي دي فانس، نائب ترامب، إلى الترشح للرئاسة عام 2028 ممثلاً للتيار الترامبي. وقدّم نفسه بوصفه معارضاً للتدخلات العسكرية الخارجية، ما قد تجعل الحرب مع إيران هذا الخطاب أكثر صعوبة بالنسبة إليه. كما أنّ إنهاء الحرب قد يمنحه سجلاً في السياسة الخارجية. الحجج المعارضة غير أنّ هذا العامل لا يشكّل ضغطاً حقيقياً على ترامب. فمن غير المرجّح أن تبقى الحرب قضية رئيسية في انتخابات 2028، خصوصاً إذا انتهت قبل ذلك بوقت طويل. كما أنّ ترامب ليس مستعداً لتحمّل كلفة سياسية كبيرة من أجل تحسين فرص أي مرشح جمهوري مستقبلي، سواء كان فانس أو غيره.

الخاتمة والاستنتاج
تُظهر دراسة العوامل الضاغطة على ترامب أنّ هناك بالفعل مستوى معيناً من الضغط الحقيقي عليه من أجل إنهاء الحرب مع إيران والتوصل إلى اتفاق، وربما كان العامل الاقتصادي هو الأهم بينها. غير أنّ مجمل هذه الضغوط أقل بكثير ممّا تفترضه بعض التحليلات المتداولة داخل إيران. وإذا لم تكن تلك التحليلات موجّهة أساساً لرفع المعنويات الداخلية، فإنّ تبنّيها من قِبل صانعي القرار قد يؤدي إلى أخطاء استراتيجية باهظة الكلفة وربما وجودية. ولذلك فإنّ تصحيح التصور الداخلي الإيراني لطبيعة وضع ترامب يُعدّ أمراً ضرورياً للغاية. وفي المحصلة، يمكن القول إنّ ترامب، بالنظر إلى توازن الضغوط المختلفة، لا يبدو متحمساً للعودة إلى مواجهة عسكرية واسعة، لكنه في المقابل لا يتعرّض لضغط هائل يجبره على إنهاء الحصار البحري سريعاً. وإذا لم يكن راضياً عن شروط أي اتفاق، فمن المرجّح أن يواصل سياسة الضغط على إيران وعلى أطراف أخرى ــ مثل الصين وأوروبا
لفترة قد تكون طويلة وغير محددة.
علي نظيفبور
خبير في الشؤون الداخلية الأمريكية