
إن النظام الأمني في الشرق الأوسط، الذي لطالما استند إلى الدور المحوري للولايات المتحدة بوصفها ضامناً أمنياً من خارج الإقليم، يواجه، في أعقاب الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، قطيعةً جوهرية. وفي هذا السياق، يشكّل توقيع «ميثاق مكة للدفاع» بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس/آب 2026، مؤشراً على تحوّل باراديغمي من الاعتماد الحصري على القوى العابرة للقارات نحو الإقليمية الأمنية والتنويع الاستراتيجي. وتتناول هذه المذكرة تحليل عدم فاعلية المظلة الأمنية لواشنطن، ومكانة ميثاق مكة بوصفه بنيةً جديدة للأمن الإقليمي في ظل حالة عدم اليقين الجماعي.
1- انهيار النظام الهيمني
تشهد منطقة الشرق الأوسط، في مرحلة ما بعد الحرب وفي سياق الانتقال نحو نظام أمني جديد، تراجعاً وظيفياً في بنية الأمن القائمة على الدور المحوري للولايات المتحدة. وما كان يُنظر إليه في السابق باعتباره أمراً بديهياً تحت مسمّى «النظام الهيمني» و«المظلة الأمنية لواشنطن»، يواجه اليوم إخفاقاً واضحاً. وخلال المواجهات الأخيرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، لم تتمكن القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج الفارسي من أداء دور الردع وضمان الأمن للدول المضيفة فحسب، بل تحولت، على العكس من ذلك، إلى أهداف استراتيجية للهجمات بالوكالة والتهديدات الصاروخية والإجراءات الانتقامية. وبعبارة أكثر دقة، فإن وجود هذه الأسلحة والمنصات العسكرية، بدلاً من أن يشكّل درعاً دفاعياً، عرّض الدول المضيفة لمواطن ضعف إضافية، وحوّل عملياً فكرة توفير الولايات المتحدة للأمن إلى أفق خطير بالنسبة إلى الاستقرار الداخلي لهذه الدول.
وعموماً، فإن إسناد الأمن الحيوي إلى قوة من خارج الإقليم يظل دائماً مقترناً بمشكلة الالتزامات المتغيرة؛ إذ تصبح المصالح الوطنية لدول الأطراف، في مواجهة الاستراتيجيات الكبرى للقوة المركزية، ذات أولوية من الدرجة الثانية. وفي الوضع الراهن، بلغ هذا الغموض الاستراتيجي ذروته؛ لأن الفاعلين الإقليميين أدركوا بوضوح أن أولويات واشنطن، القائمة على إدارة التباعد الاستراتيجي مع إيران ومنع اتساع نطاق الصراع إلى المستوى العالمي، لم تكن قط متطابقة بصورة كاملة مع المطالب الأمنية الفورية والملموسة لدول الخليج الفارسي. وقد غرق الاعتماد الحصري على حليف عابر للقارات في حالة من عدم اليقين والتردد الجيوسياسي، وأصبحت تكاليفه ملموسة بوضوح بالنسبة إلى دول المنطقة خلال الأزمات الفعلية.
2- ولادة ميثاق مكة؛ استجابة لفراغ أمني
في مثل هذه الظروف البنيوية، يتشكّل اتجاه واضح ومتسارع نحو الإقليمية الأمنية. ففي السابع من أغسطس/آب 2026، وفي قصر الصفا في مكة المكرمة، وقّع ثلاثة قادة، هم محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة العربية السعودية؛ ورجب طيب أردوغان، رئيس الجمهورية التركية؛ وشهباز شريف، رئيس وزراء باكستان، وثيقةً تاريخية عُرفت باسم «اتفاقية مكة للدفاع المشترك». وكان اختيار مكة المكرمة مكاناً للتوقيع يحمل رسالة تتجاوز مجرد اتفاق عادي؛ إذ جرى تأطير هذا الميثاق ضمن مفهوم «الأخوّة والتضامن الإسلامي»، بما يمنحه هوية مستقلة عن الهياكل الغربية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو). ويستند جوهر هذا النظام الجديد إلى مفهوم الاستقلال الأمني وإعادة تعريف المصالح الوطنية على أساس القدرات الداخلية، والإمكانات الدفاعية المحلية، والمشاركة الفاعلة مع دول الجوار.
ومع ذلك، لا يمكن في الوضع الراهن تسمية ميثاق مكة «الناتو الإسلامي». فقد وصف هاكان فيدان، وزير الخارجية التركي، هذا الالتزام من الناحية الفنية بأنه «مماثل للمادة الخامسة من حلف الناتو»، إلا أن هذا التشابه اللفظي لا ينبغي أن يؤدي إلى تعميم غير صحيح. فميثاق مكة يفتقر إلى هيكل قيادة موحّد، وميزانية مشتركة، وآليات عملياتية مؤسسية كتلك التي راكمها حلف الناتو على مدى سبعين عاماً. وفي الواقع، وعلى خلاف الناتو الذي ظل لسنوات خاضعاً من الناحيتين المالية والتسليحية لهيمنة الولايات المتحدة، فإن هذا الميثاق يمثل تحالفاً بين دول متكافئة؛ وهذا في آن واحد ميزة ونقطة ضعف، لأن كل شيء سيتم عبر التفاوض، وستضع كل دولة، في كثير من الحالات، سيادتها الوطنية في مقدمة أولوياتها.
3- التنويع الاستراتيجي
ينبغي النظر إلى ميثاق مكة بوصفه نتاجاً لتحول كبير: تراجع كفاية الاعتماد الحصري على المظلة الأمنية الأمريكية في مواجهة التهديدات الجديدة. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن دول الائتلاف لا تسعى إلى استبدال الولايات المتحدة، بل تحاول الجمع بين رأس المال السعودي والتكنولوجيا التركية والقوة العسكرية الباكستانية لبناء طبقة دفاعية تكميلية وأكثر محلية لأمنها.
وقد أكدت الدول الثلاث في بيانها المشترك أن الاتفاق لا يلغي ولا يحل محل أي اتفاق ثنائي أو متعدد الأطراف. وبعبارة أخرى، فإن ميثاق مكة ليس إحلالاً، بل تنويعاً استراتيجياً في سلة الأمن لهذه الدول؛ وهو استجابة لحقيقة مفادها أن الاعتماد الحصري على قوة من خارج الإقليم يقترن دائماً، في ظروف الأزمات، بمخاطر الالتزامات المتغيرة وتضارب الأولويات.
وقد توصل الفاعلون الرئيسيون في غرب آسيا إلى استنتاج استراتيجي مفاده أن البنية الأمنية المنشودة والمستدامة لا يمكن أن تقوم على أساس الاتفاقيات الأحادية والعلاقة العمودية مع القوى الأجنبية. ومن ثم، نشهد تحولاً باراديغمياً من نظام قائم على التبعية نحو نظام يستند إلى المبادرات الداخلية والإقليمية، والتعاون المتعدد الأطراف المحلي، وبناء شبكات أمنية بين الدول المتجاورة، بحيث ينخفض الدور التدخلي للقوى من خارج الإقليم إلى أدنى حد ممكن. والدول الإقليمية، التي باتت تلمس الآن التكاليف الجيوسياسية للتبعية للقوى من خارج الإقليم خلال الأزمات الفعلية، تسعى بسرعة غير مسبوقة إلى تشكيل تحالفات داخل الإقليم، وتوسيع نطاق الدبلوماسية الدفاعية فيما بينها، وتنويع سلالها الأمنية، من أجل إيجاد بديل موثوق وقائم على الاعتماد الذاتي للمعاهدات الدفاعية التقليدية مع الغرب.
4- الموازنة والتحديات الجيوسياسية
خلافاً للعديد من التحالفات التقليدية التي تتشكل حول عدو مشترك واحد، فإن هذا الميثاق هو نتاج نوع من «عدم اليقين الأمني المشترك» بين دول ذات تهديدات مختلفة. وإلى جانب ذلك، تتمثل إحدى وظائف ميثاق مكة في تحقيق التوازن بين إيران وإسرائيل. وفي الواقع، يفضّل هذا المحور ألا تتحول إيران إلى قوة إقليمية بلا منازع، وإن لم يكن الهدف الرئيسي للميثاق هو مواجهة إيران. ويرى بعض المحللين أن ميثاق مكة يمثل استجابة للتوترات في الشرق الأوسط وللحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. وقد أدى وجود تركيا وباكستان إلى جانب المملكة العربية السعودية، التي تُعد منافساً إقليمياً لإيران، إلى دفع بعض المراقبين إلى تفسير هذا الاتفاق باعتباره محاولة لإيجاد توازن في مواجهة إيران. ومع ذلك، أعلن مسؤولو الدول الثلاث صراحةً أن إيران ليست هدفاً للميثاق الدفاعي، وأن هذا الاتفاق لا يستهدف أي فاعل بعينه.
ومن أكثر أبعاد هذا الميثاق حساسيةً قضية إسرائيل وتركيا، التي تمثل أهم تهديد ناشئ في بيئته الأمنية. ولا تزال هناك أدلة موثوقة على اتخاذ إسرائيل قراراً رسمياً بالحرب على تركيا؛ إلا أن سوريا تحولت عملياً إلى فضاء للتداخل العملياتي بين البلدين. فقد احتلت إسرائيل أجزاءً من لبنان، وشنّت هجمات في سوريا. وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن يشكل ميثاق مكة بالنسبة إلى تركيا أداةً لرفع تكلفة أي صراع إسرائيلي مع تركيا، وتعزيز الردع الجماعي في مواجهة طموحات تل أبيب في بلاد الشام.
5- مكانة تركيا؛ ازدواجية الناتو والاستقلال الإقليمي
في ما يتعلق بمكانة تركيا في هذا الميثاق، يمكن القول إن أنقرة، من خلال توقيعها هذا الاتفاق، تحاول، في الوقت الذي تحافظ فيه على عضويتها والتزاماتها في حلف الناتو، أن تطور في الوقت نفسه استقلالها الاستراتيجي في مجال الأمن الإقليمي. وتعكس هذه الازدواجية، أي الوفاء للناتو والمشاركة في الوقت نفسه في تحالف دفاعي مستقل عنه، نهج تركيا متعدد المستويات تجاه الأمن: دولة لا ترغب في قطع علاقاتها مع الغرب، ولا ترغب في الوقت نفسه في استمرار اعتمادها الحصري عليه. وقد أكد أردوغان نفسه أن «اتفاق مكة ليس بديلاً عن الناتو أو عن أي تحالف آخر»، وأن الهدف منه هو «تعزيز بُعد الردع وتعزيز البُعد الأمني للأطراف الأعضاء». وفي الواقع، فإن تركيا، بوصفها عضواً في الناتو، تعمل في الوقت نفسه على تشكيل بنية أمنية مستقلة عنه في جوارها الجنوبي، وهو ما يدل على نضج استراتيجي وإدراك عميق للطبيعة المتغيرة للأمن في القرن الحادي والعشرين.
ولا شك أن هذا النظام الناشئ هو نتاج مباشر للتداعيات الاستراتيجية والأمنية للحرب الأخيرة، ويشير إلى أن مرحلة انتقالية هشة، ولكن واقعية، قد بدأت في غرب آسيا. فقد أدركت دول الخليج الفارسي جيداً أن الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية ليس فقط غير مولّد للاستقرار والردع، بل إنه في حالات عديدة أصبح هو نفسه مصدراً لتصعيد التوترات، والانجرار إلى دوامة الصراعات بالوكالة، وتوليد تبعيات إضافية؛ ولذلك، فقد عقدت هذه الدول العزم على الاستناد إلى التقارب الإقليمي والقدرات الجماعية داخل الإقليم، من أجل إرساء نظام أمني جديد تكون فيه القرارات المصيرية في مجال الحرب والسلام بيد الفاعلين المستقلين أنفسهم في هذه المنطقة الجغرافية.
6- الرؤية والآفاق المستقبلية
يمكن القول في الخلاصة إن اتفاقية مكة الدفاعية تمثل خطوة نحو إنشاء نظام إقليمي جديد، يمكنها، إلى جانب تأثيرها في مجال جغرافي واسع، أي من شرق البحر المتوسط إلى الخليج الفارسي ومحيط باكستان، أن تسرّع المشاريع العسكرية والاقتصادية. كما نُشرت تقارير عن دعوة إيران واحتمال انضمام مصر وقطر إلى هذا الاتفاق، بما يشير إلى أن ميثاق مكة قد يتحول مستقبلاً من ائتلاف ثلاثي إلى إطار أمني أوسع في غرب آسيا. ومن شأن مثل هذا التوسع أن يقرّب المنطقة من تحقيق الحلم القديم المتمثل في «نظام الأمن الجماعي لغرب آسيا»، وأن يقلل إلى أدنى حد من الاعتماد على القوى الأجنبية.
ومع ذلك، فإن مسار تحقيق هذه الرؤية لا يزال يكتنفه الغموض، وتناقضات المصالح الوطنية، والتعقيدات الجيوسياسية. فالتباينات التاريخية بين تركيا والمملكة العربية السعودية، والمنافسات الخفية بين باكستان والسعودية في العالم الإسلامي، فضلاً عن النظرة الحذرة لطهران تجاه هذه المبادرة، تمثل عقبات جدية أمام مأسسة هذا الميثاق. ومع وجود هذه العقبات، فإن مجرد توقيع هذا الاتفاق يدل على إجماع غير مكتوب بين الفاعلين الإقليميين مفاده أن عصر الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة لتوفير الأمن قد انتهى، وأن المستقبل سيكون من نصيب الأنظمة التي تقوم على الثقة المتبادلة، والقدرات المحلية، والتعاون الجماعي داخل الإقليم. ومهما يكن ميثاق مكة حديث النشأة وهشاً، فإنه يمثل مرآةً كاملة لهذه الحقيقة الجيوسياسية، المتمثلة في أن الشرق الأوسط يريد أن يحدد مصيره الأمني بنفسه، من دون وصاية أو إنابة من القوى العابرة للقارات.
جواد صبوري
(باحث في الدراسات التركية)