
تُعدّ منطقة القرن الأفريقي، بحكم موقعها الجغرافي المطلّ على الضفة المقابلة لمضيق باب المندب والمجاورة للبحر الأحمر، إحدى أبرز مناطق التنافس والصراع بين القوى الدولية والإقليمية. وفي أحدث تطورات هذا المشهد الجيوسياسي، أضاف إقليم «صوماليلاند» الانفصالي، عقب إعلانه الانفصال عن جمهورية الصومال، بُعداً جديداً إلى تعقيدات المنطقة. غير أنّ اللافت في هذا السياق يتمثل في اعتراف إسرائيل بصوماليلاند، إلى جانب الدعم غير المعلن الذي تقدّمه دولة الإمارات العربية المتحدة لهذا التوجّه. وقد أثار هذا المسار اعتراض عدد من الدول الإقليمية والإسلامية، التي اعتبرته مصدراً محتملاً لتفاقم التوترات في القرن الأفريقي.
وفي أحدث تحرّكات سلطات صوماليلاند، قام عبد الرحمن محمد عبد الله، رئيس الإقليم الانفصالي، بزيارة إلى إسرائيل، حيث افتتح سفارة لكيانه في القدس المحتلة، كما وقّع إعلان تعاون استراتيجي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي. وفي ضوء ذلك، يبرز تساؤل جوهري حول الأسباب التي تمنح هذه المنطقة أهمية استراتيجية بالنسبة إلى تل أبيب. ويمكن تفسير ذلك عبر جملة من الاعتبارات السياسية والاقتصادية والعسكرية، من أبرزها ما يلي.
مواجهة إيران وحركة أنصار الله في اليمن
أدّت التطورات التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر، وما تبعها من إغلاق مضيق باب المندب من قبل حركة أنصار الله اليمنية رداً على العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة واستهداف ميناء إيلات بالصواريخ، إلى دفع تل أبيب نحو تسريع خططها الرامية إلى مواجهة أنصار الله، بما يساهم في نهاية المطاف في تقليص النفوذ الإقليمي الإيراني.
وفي هذا السياق، ازدادت الأهمية الاستراتيجية لصوماليلاند بالنسبة إلى إسرائيل، نظراً لموقعها المقابل لباب المندب وقربها الجغرافي من اليمن، إذ لا تتجاوز المسافة الفاصلة بينهما نحو 250 كيلومتراً، ما يمنحها أهمية عملياتية محتملة في أي تحركات تستهدف مواقع أنصار الله.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التقارب الإماراتي–الإسرائيلي والدعم غير المعلن لمشروع انفصال صوماليلاند، إذ إنّ أي إضعاف لحركة أنصار الله في اليمن من شأنه أن يعزز النفوذ الإماراتي في المناطق الغربية من البلاد. وعليه، يمكن النظر إلى هذا التقاطع في المصالح بين إسرائيل والإمارات باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني عبر الساحة اليمنية.
التنافس مع تركيا في القرن الأفريقي
شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً في الطموحات التركية، ولا سيّما في مجالات الممرات الاقتصادية والطاقة، بما يتعارض مع المصالح الإسرائيلية، إذ يسعى الطرفان إلى ترسيخ موقعهما كمركز إقليمي للنقل والطاقة. وقد انعكس هذا التنافس سلباً على العلاقات الثنائية، وأدّى إلى بروز خلافات حادة في ملفات متعددة، من بينها شرق البحر المتوسط والساحة السورية.
ويمتد هذا التنافس حالياً إلى منطقة القرن الأفريقي والصومال، حيث ترتبط تركيا بعلاقات استراتيجية وثيقة مع الحكومة الصومالية، كما تمتلك أكبر قاعدة عسكرية لها خارج أراضيها في الصومال، تضم نحو خمسة آلاف عنصر، يتولّون مهام تدريب القوات العسكرية والأمنية الصومالية.
وفي المقابل، حصلت أنقرة على امتيازات اقتصادية مهمة، من بينها حقوق التنقيب عن الموارد الهيدروكربونية في المياه الصومالية، فضلاً عن طرح مقترحات حديثة من قبل مقديشو تتعلق بإمكانية استثمار موارد اليورانيوم بالتعاون مع تركيا.
وقد أسهم هذا النمط من العلاقات في بلورة نموذج تركي يُعرف بـ«الدفاع مقابل الاقتصاد» في أفريقيا، وهو نموذج يشهد توسعاً متزايداً نتيجة التحديات الأمنية التي تواجهها العديد من الدول الأفريقية. غير أنّ هذا التوسع في النفوذ التركي يتعارض مع الأهداف الجيوسياسية والجيو-اقتصادية الإسرائيلية، الأمر الذي يدفع تل أبيب إلى دعم استقلال صوماليلاند بوصفه وسيلة لإقامة حاجز جيوسياسي يحدّ من الحضور التركي في المنطقة.
الانخراط في التحالفات الإقليمية
دأبت إسرائيل على توسيع نطاق نفوذها الخارجي عبر إقامة علاقات دبلوماسية مع الدول الصغيرة، بهدف تعزيز حضورها السياسي والاستفادة من مواقف تلك الدول داخل المنظمات والمحافل الدولية. وفي هذا الإطار، شكّلت الدول الأفريقية إحدى الساحات الرئيسية للتحرك الدبلوماسي الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة.
ولا تُعدّ منطقة القرن الأفريقي استثناءً من هذه المقاربة، إذ تسعى حكومة بنيامين نتنياهو إلى بناء محور ثلاثي يضم إسرائيل والإمارات وإثيوبيا، بهدف تعزيز النفوذ الإسرائيلي في شرق أفريقيا. وتُعدّ هذه الأطراف الثلاثة من أبرز الداعمين لمشروع انفصال صوماليلاند، وإن اختلفت دوافعها، ولا سيّما فيما يتعلق بالحصول على امتيازات استراتيجية في ميناء «بربرة».
فعلى سبيل المثال، تنظر إثيوبيا، بوصفها دولة حبيسة، إلى ميناء بربرة باعتباره منفذاً استراتيجياً للوصول إلى البحر الأحمر وتقليل الاعتماد على إريتريا. وفي هذا السياق، طرحت أديس أبابا خلال العام الماضي مقاربة تقوم على مبدأ «الاعتراف مقابل الحصول على منفذ بحري»

مقدّمة حول مشروع قناة بن غوريون
تسعى إسرائيل، في إطار مشروعها لإعادة تشكيل النظام الإقليمي الجديد بدعم غربي، إلى تحقيق أهداف جيو-اقتصادية إلى جانب أهدافها الجيوسياسية، ويُعدّ مشروع إنشاء قناة مائية تُعرف باسم «قناة بن غوريون» أحد أبرز هذه الأهداف. وقد ظلّ هذا المشروع لعقود طويلة مجرّد تصور نظري، غير أنّ إغلاق قناة السويس ومضيق تيران خلال حرب حزيران/يونيو عام 1967 أدّى إلى تعطيل التجارة وواردات النفط الإسرائيلية بصورة كبيرة، ما شكّل درساً استراتيجياً مهماً لتل أبيب بشأن مخاطر الارتهان الجيوسياسي للممرات البحرية الخاضعة لسيطرة أطراف أخرى. ومن هنا برزت فكرة إنشاء ممرّ مائي مستقل يربط البحر الأحمر، بالقرب من إيلات، بالبحر الأبيض المتوسط.
وفي هذا السياق، يمكن تفسير الاعتراف بصوماليلاند باعتباره جزءاً من التمهيد الجيوسياسي والأمني لهذا المشروع؛ إذ إنّ وجود كيان حليف وقريب من مدخل البحر الأحمر من شأنه أن يوفّر بيئة أمنية مناسبة لإنجاز القناة وتأمين خطوط الملاحة المرتبطة بها. كما يتيح ذلك إمكانية تطوير ترتيبات أمنية مشتركة، والحصول على تسهيلات مرفئية، وبناء شبكة لوجستية مستقرة تُسهم في حماية حركة السفن المتجهة نحو مدخل القناة.
الوصول إلى الموارد المعدنية في صوماليلاند
أصبحت السيطرة على المعادن النادرة خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز محاور التنافس بين القوى الكبرى، نظراً لأهميتها الحيوية في الصناعات التكنولوجية المتقدمة والقطاعات العسكرية. وفي هذا الإطار، كشفت الدراسات الجيولوجية عن وجود احتياطات محتملة من المنغنيز، والبلاتين، والنحاس، والزنك، والتانتاليت-الكولومبيت، والنيكل، والكروم، والليثيوم، واليورانيوم، إضافة إلى عناصر أرضية نادرة تُعدّ أساسية للتقنيات الحديثة في صوماليلاند.
ولا تزال نسبة كبيرة من هذه الموارد غير مستثمرة حتى الآن، الأمر الذي يجعل التعاون مع الدول المتقدمة تكنولوجياً عاملاً مهماً في تطوير قدرات الاستكشاف والإدارة والاستغلال المستدام للثروات المعدنية. وبالنظر إلى الدور المحوري الذي تؤديه التكنولوجيا في الاقتصاد الإسرائيلي، فضلاً عن الأهمية الاستراتيجية للصناعات العسكرية، فإنّ الوصول إلى هذه الموارد قد يشكّل بدوره أحد الدوافع الرئيسية وراء دعم الاعتراف بصوماليلاند.
وفي المجمل، أدّى تداخل الأهداف الجيوسياسية والجيو-اقتصادية إلى دفع إسرائيل نحو دعم مشروع انفصال صوماليلاند بصورة واضحة. غير أنّ تحقيق هذه الأهداف يبقى مرتبطاً إلى حدّ كبير بمسار التطورات في غرب آسيا ومنطقة القرن الأفريقي، خاصة في ظلّ الحساسية الكبيرة التي تبديها دول المنطقة، ولا سيّما محور مصر–إريتريا–جيبوتي–الصومال، تجاه أي تحولات قد تؤثر في موازين القوى الإقليمية وأمن البحر الأحمر.
توحيد ورستان
باحث في الدراسات الأفریقية