
شكّلت المحدودية الجغرافية للعراق على الخليج الفارسي، على امتداد العقود الماضية، أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي واجهت قطاعه النفطي. فاعتماد الاقتصاد العراقي بصورة كبيرة على صادرات النفط جعل أي اضطراب يصيب منافذه الجنوبية ينعكس مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والمالي للدولة. وقد أدركت الحكومات العراقية المتعاقبة هذه الحقيقة، فسعت منذ حقبة النظام السابق إلى تنويع منافذ التصدير عبر مشاريع خطوط الأنابيب، من بينها خط العراق–ينبع في المملكة العربية السعودية، ومشروع خط العراق–العقبة في الأردن، بهدف تقليص الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية.
وأعادت حرب رمضان وما رافقها من إغلاق مضيق هرمز هذا الملف إلى صدارة أولويات صانع القرار العراقي، بعدما تراجعت صادرات النفط عبر الخليج الفارسي خلال شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان إلى أقل من خمسمائة ألف برميل يومياً. وفي ظل الالتزامات المالية المتزايدة، والحاجة إلى تمويل المشاريع الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع «طريق التنمية»، برزت الحاجة إلى إيجاد مسارات بديلة ومستقرة لتصدير النفط باعتبارها أولوية اقتصادية وأمنية في آن واحد.
وتزامناً مع تشكيل الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي، كثفت بغداد تحركاتها لإعادة تنشيط منافذ التصدير البديلة. فقد استؤنفت الجهود لإحياء خط أنابيب كركوك–جيهان عبر الأراضي التركية، كما جرى التفاهم مع الجانب السوري على استخدام ميناء بانياس لاستقبال النفط العراقي المنقول بالصهاريج. وفي السياق نفسه، جاءت زيارة رئيس مجلس النواب العراقي، هیبت الحلبوسي، إلى المملكة الأردنية الهاشمية ولقاؤه الملك عبد الله الثاني، لتؤكد استمرار المشاورات بشأن تسريع مشروع تصدير النفط العراقي عبر ميناء العقبة.
وتعكس هذه التحركات إدراكاً عراقياً متنامياً بأن ضمان أمن صادرات النفط يقتضي تنويع خيارات التصدير، بما يقلل من تأثير المتغيرات الجيوسياسية والأمنية على الاقتصاد الوطني.
وفي المقابل، فإن إيران، وهي تتعامل مع ملف مضيق هرمز باعتباره أحد عناصر معادلة الأمن الإقليمي، تملك فرصة لتحويل هذا الملف من مصدر للقلق إلى منصة لتعزيز التعاون الاقتصادي الإقليمي. فإدارة المضيق لا تقتصر على البعد الأمني، بل تقتضي أيضاً إطلاق مبادرات عملية تؤسس لشراكات اقتصادية طويلة الأمد، بما يرسخ الثقة المتبادلة ويعزز المصالح المشتركة بين دول المنطقة.
ومن هذا المنطلق، تبرز العلاقة مع العراق باعتبارها الحلقة الأكثر أهمية في أي تصور إيراني للتكامل الإقليمي في مجال الطاقة. فالعراق، رغم مواصلة البحث عن منافذ تصدير بديلة، يدرك أن المسار الأكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية لا يزال يمر عبر الخليج العربي ومضيق هرمز. غير أن استمرار المخاوف المرتبطة بالظروف الأمنية يفرض البحث عن صيغ تعاون جديدة توفر ضمانات أكبر لاستدامة الصادرات.
وفي هذا الإطار، يمكن لإيران أن تطرح مبادرة للتعاون النفطي تقوم على إتاحة استخدام بنيتها التحتية لتصدير جزء من النفط العراقي، سواء من خلال آليات مبادلة النفط (Swap) أو عبر تطوير مشاريع الربط بين شبكتي الأنابيب في البلدين. ويبرز خط أنابيب «غوره–جاسك» بوصفه أحد المشاريع القادرة، مستقبلاً، على استيعاب هذا التعاون إذا ما جرى ربطه بالمناطق النفطية في جنوب العراق، ولا سيما البصرة والناصرية، بما يتيح إنشاء ممر استراتيجي جديد يصل النفط العراقي إلى بحر عُمان بعيداً عن نقاط الاختناق التقليدية.
ومن شأن هذا المشروع أن يتجاوز أبعاده التجارية، ليؤسس لتشابك المصالح الاستراتيجية بين البلدين في قطاع الطاقة، ويوفر للعراق منفذاً إضافياً آمناً لصادراته، وفي الوقت نفسه يعزز موقع إيران بوصفها مركزاً إقليمياً لعبور الطاقة.
كما أن النمو المستمر في الطلب على النفط في أسواق جنوب آسيا، ولا سيما في الهند وباكستان، يفتح المجال أمام تعاون ثلاثي أو إقليمي أوسع، يتيح توجيه جزء من الصادرات العراقية عبر الموانئ الإيرانية، أو عبر مشاريع مستقبلية لتمديد خطوط الأنابيب شرقاً، بما يحقق مصالح اقتصادية مشتركة ويعزز أمن الطاقة في المنطقة.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المرحلة الراهنة مناسبة لبلورة رؤية إقليمية جديدة تجعل من مضيق هرمز نقطة انطلاق للتكامل الاقتصادي، وليس مجرد ورقة ضغط سياسية. فكلما اقترنت إدارة المضيق بمبادرات تعاون ملموسة، ازدادت فرص ترسيخ مكانته بوصفه ممراً آمناً ومستداماً لتجارة الطاقة، وأسهم ذلك في بناء منظومة إقليمية قائمة على تشابك المصالح بدلاً من منطق الاستقطاب والمنافسة.
علي واحدتي
باحث في دراسات الشرق الأوسط