هل تتسع هامش مناورة ترامب تجاه إيران بعد انتخابات الكونغرس؟

مدة القراءة: 5 دقيقة

أغسطس 2, 2026

شهدت الأسابيع الأخيرة تصاعداً في النقاشات بشأن ما إذا كانت الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب قد أرجأت خيار تنفيذ عملية برية واسعة ضد إيران إلى ما بعد انتخابات الكونغرس، وما إذا كانت مخرجات هذا الاستحقاق الانتخابي ستؤثر في حسابات البيت الأبيض المتعلقة باستخدام القوة العسكرية.

أولاً: انتخابات الكونغرس ومعادلة توازن القوى

تُجرى انتخابات الدورة الـ120 للكونغرس الأمريكي في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، وتشمل انتخاب جميع أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 نائباً، إضافة إلى 35 مقعداً من أصل مئة مقعد في مجلس الشيوخ.

ويتمتع الحزب الجمهوري حالياً بالأغلبية في المجلسين، إذ يسيطر على 219 مقعداً في مجلس النواب مقابل 215 للديمقراطيين، فيما يمتلك 53 مقعداً في مجلس الشيوخ مقابل 47 مقعداً للديمقراطيين.

وتشير استطلاعات الرأي والتقديرات الانتخابية إلى أن الديمقراطيين يملكون فرصة واقعية لاستعادة الأغلبية في مجلس النواب، في حين تبقى المنافسة على مجلس الشيوخ أكثر تعقيداً، إذ ستُحسم نتائجها في عدد من الولايات المتأرجحة، من بينها ميشيغان، وماين، وكارولاينا الشمالية، وألاسكا، وأوهايو، ومينيسوتا، وجورجيا، وتكساس.

ورغم ذلك، فإن مهمة الديمقراطيين في انتزاع الأغلبية داخل مجلس الشيوخ تبدو أكثر صعوبة. فالسيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في حصولهم على ثلاثة مقاعد إضافية، بما يؤدي إلى تعادل الحزبين عند خمسين مقعداً لكل منهما. وفي هذه الحالة يحتفظ الجمهوريون بالأغلبية الفعلية، نظراً إلى امتلاك نائب الرئيس الصوت المرجح عند تساوي الأصوات. أما إذا شهدت المؤشرات الاقتصادية مزيداً من التراجع، وانخفضت معدلات الرضا الشعبي عن أداء الإدارة، فقد ترتفع فرص الديمقراطيين في الفوز بمقعد إضافي يمنحهم أغلبية من 51 مقعداً.

ثانياً: حسابات ترامب بين الإرث السياسي والقيود الانتخابية

عقب وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان، برزت تقديرات تفيد بأن إدارة ترامب قد تؤجل أي تصعيد عسكري واسع ضد إيران إلى ما بعد انتهاء استحقاقات كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم لكرة القدم وانتخابات الكونغرس.

إلا أن الربط بين بطولة كأس العالم والقرار العسكري لم يكن يستند إلى مؤشرات واقعية، إذ لا توجد علاقة مؤسسية أو سياسية مباشرة بين الحدثين. وقد أظهرت التطورات الميدانية، مع بدء العمليات العسكرية ضد جنوب إيران خلال فترة البطولة، أن هذا العامل لم يكن ضمن محددات القرار الأمريكي.

أما انتخابات الكونغرس، فهي تمثل متغيراً أكثر أهمية، لكن تأثيرها يبقى نسبياً. فمن خلال متابعة سلوك ترامب السياسي، يبدو أن الاعتبار الأكثر حضوراً في عملية صنع القرار هو حماية إرثه السياسي وتحقيق الأهداف التي رسمها لإدارته، أكثر من حرصه على انعكاسات قراراته العسكرية على النتائج الانتخابية للحزب الجمهوري.

وفي هذا السياق، سبق لترامب أن أشار في إحدى خطاباته إلى أن خسارة الجمهوريين للأغلبية ليست القضية الأساسية بالنسبة إليه، وهو ما يعني أن احتمال اللجوء إلى تصعيد عسكري قبل الانتخابات لا يمكن استبعاده على أساس الحسابات الانتخابية وحدها.

في المقابل، يدرك ترامب أن انتقال السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما إلى الديمقراطيين سيؤدي إلى زيادة الضغوط السياسية والرقابية على إدارته، وقد يعرقل تمرير بعض سياساته الداخلية والخارجية، فضلاً عن فتح المجال أمام تكثيف التحقيقات البرلمانية.

ثالثاً: هل يقيّد الكونغرس قرار الحرب؟

رغم أهمية التوازنات الحزبية داخل الكونغرس، فإن التجربة العملية أظهرت أن قدرة السلطة التشريعية على تقييد القرار العسكري للرئيس تبقى محدودة.

فحتى في ظل هيمنة الجمهوريين، لم يتمكن ترامب من الحصول على تفويض صريح من الكونغرس لشن عمليات عسكرية ضد إيران، ومع ذلك احتفظت السلطة التنفيذية بهامش واسع للتحرك استناداً إلى الصلاحيات الدستورية المخولة للرئيس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.

وعليه، فإن انتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين لن يحرم الإدارة الأمريكية من إمكانية استخدام القوة العسكرية، وإن كان سيزيد من كلفة القرار سياسياً وإعلامياً.

أما فيما يتعلق بإجراءات عزل الرئيس، فرغم أن سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب قد تتيح لهم تمرير قرار الاتهام، فإن نجاح عملية العزل يبقى مرهوناً بموافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، وهو شرط يصعب تحقيقه في ضوء الخريطة الحالية للمقاعد، حتى في حال تقدم الديمقراطيين انتخابياً.

رابعاً: الاقتصاد بوصفه المحدد الأكثر تأثيراً

يبقى العامل الاقتصادي أحد أهم المحددات المؤثرة في حسابات إدارة ترامب، ولا سيما أسعار النفط والوقود وانعكاساتها المباشرة على المزاج الانتخابي الأمريكي.

فكلما ارتفعت أسعار البنزين وتراجعت المؤشرات الاقتصادية، ازدادت الضغوط على الحزب الجمهوري، الأمر الذي يجعل الإدارة أكثر حذراً في اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية.

خامساً: نافذة «البطة العرجاء»

في حال فوز الديمقراطيين، تبرز الفترة الممتدة بين إعلان نتائج الانتخابات في الثالث من نوفمبر وبدء عمل الكونغرس الجديد في الثالث من يناير، والمعروفة سياسياً باسم Lame-duck Session، بوصفها مرحلة تمتلك خلالها الإدارة هامشاً أوسع لتمرير قراراتها قبل انتقال موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية.

وغالباً ما تستغل الإدارات الأمريكية هذه الفترة للإسراع في تنفيذ سياسات أو اتخاذ قرارات يصعب تمريرها بعد مباشرة الكونغرس الجديد مهامه.

الخلاصة

تشير القراءة العامة إلى أن ترامب قد يمتلك، من الناحية السياسية والمؤسسية، هامش حركة أوسع بعد انتخابات الكونغرس، ولا سيما إذا لم يعد مضطراً لمراعاة انعكاسات قراراته على الاستحقاقات الانتخابية.

غير أن هذا الهامش لا يعني بالضرورة أن خيار الحرب البرية سيصبح قراراً حتمياً، إذ إن اللجوء إلى القوة العسكرية سيظل رهناً بمجموعة واسعة من الاعتبارات الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية، وليس بنتائج الانتخابات وحدها.

وعليه، فإن السؤال لا يتعلق بمدى حرية ترامب في استخدام القوة بعد الانتخابات بقدر ما يتعلق بتقديره لأفضل الوسائل الكفيلة بتحقيق أهدافه الاستراتيجية. فإذا أمكن بلوغ تلك الأهداف عبر المسار الدبلوماسي، فلن تكون الحرب خياراً مفضلاً، أما إذا خلصت الإدارة إلى أن العمل العسكري يمثل الوسيلة الأكثر فاعلية، فإن تغير موازين القوى داخل الكونغرس لن يشكل، في حد ذاته، عائقاً حاسماً أمام اتخاذ هذا القرار.

حسین هوشمند

باحث في مركز بنيان – الدراسات الأمريكية

أحدث المحتويات
الأكثر زيارة