الحشد الشعبي صمام أمان العراق

مدة القراءة: 3 دقيقة

يوليو 17, 2026

في الثالث عشر من حزيران/يونيو 2014، أصدر المرجع الديني السيد علي السيستاني فتوى الجهاد الكفائي، التي جاءت في لحظة انهيار أمني ووجودي بعد سقوط الموصل وسيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة من الأراضي العراقية. أدّت هذه الفتوى إلى تعبئة شعبية واسعة أفضت إلى تشكيل الحشد الشعبي، الذي تحول تدريجياً من قوة دفاعية عفوية إلى مؤسسة رسمية بموجب القانون رقم 40 لسنة 2016، وأصبح جزءاً من منظومة القوات المسلحة العراقية. يمثل هذا التشكيل، في الدراسات الأكاديمية للأمن الاستراتيجي، نموذجاً معقداً لما يُعرف بـ«الدفاع الهجين» (Hybrid Defense) و«حوكمة الأمن المختلطة» (Hybrid Security Governance)، حيث يلتقي فيه الرسمي بالشعبي، والمركزي بالمحلي.
يُنظر إلى الحشد الشعبي في الأدبيات الأكاديمية كتجسيد لآلية تفعيل «الصمود الوطني» (National Resilience) في مواجهة التهديدات غير التقليدية. ففي ظروف الانهيار المؤسسي المؤقت، سمحت التعبئة الشعبية بملء الفراغ الأمني بطريقة اعتمدت على المعرفة المحلية العميقة بالبيئة الاجتماعية والجغرافية. هذا النمط من الاستجابة لم يقتصر على بعد عسكري بحت، بل شكّل عملية اجتماعية-سياسية ساهمت في إعادة صياغة بعض عناصر «الحقل السياسي»، كما يصفها بيير بورديو، من خلال إعادة توزيع رؤوس الرأسمال الرمزي والعسكري بين مختلف المكونات العراقية. وإن كان التنوع في الاستجابة الأولية يعكس قدرة على تجاوز بعض الحواجز الطائفية والعرقية في اللحظة الوجودية، فإنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول ديناميكيات الاندماج المؤسسي اللاحق.
من الناحية العسكرية-الاستراتيجية، يُعد الحشد مثالاً على فعالية الحرب غير المتكافئة (Asymmetric Warfare). اعتماده على تكتيكات حرب العصابات، والاستخبارات الميدانية، والتكيف السريع مع التضاريس المتنوعة، مكّنه من المساهمة في استعادة مناطق شاسعة. هذه المساهمة، التي رافقتها تضحيات بشرية كبيرة، عزّزت في الممارسة مفهوم «الأمن الشامل» (Comprehensive Security)، الذي يتجاوز المعنى العسكري التقليدي ليشمل تأمين الحدود، وإزالة الألغام، ودعم جهود الاستقرار المجتمعي في المرحلة ما بعد النزاع. وفي هذا السياق، يُقارن الباحثون في مراكز مثل RAND وChatham House بين الحشد ونماذج الميليشيات الموالية للدولة في سياقات انتقالية أخرى، مشيرين إلى خصوصيته في الترسخ المحلي والقدرة على الاستمرارية.
غير أن هذا النموذج يحمل في طياته جملة من التحديات النظرية والعملية. ففي إطار برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR)، يبرز التوتر بين الاستقلالية النسبية لبعض التشكيلات والحاجة إلى التبعية الكاملة للقيادة العامة للقوات المسلحة. هذا التوتر يعكس سمات «الدولة الهجينة» (Hybrid State)، التي تتداخل فيها السلطة الرسمية مع الشبكات غير الرسمية، مما يثير أسئلة حول توازن الولاءات ومنع تشكل اقتصادات موازية أو تأثيرات خارجية قد تعيق بناء مؤسسات مركزية قوية. كما أن تطور الحشد نحو مهام متعددة الأبعاد (أمنية وخدمية وإعمارية) يفتح نقاشاً أكاديمياً حول الحدود الفاصلة بين الدفاع الوطني والحوكمة المدنية.
اقتصادياً واستراتيجياً، يمكن القول إن الحشد الشعبي ساهم في خلق نوع من «الصمام الأمني» الذي ساعد على الحفاظ على تماسك الدولة في مرحلة حرجة، ولا يزال يشكل عنصراً من عناصر الاستقرار في مواجهة التحديات المستمرة. إلا أن الدراسات الأكاديمية تؤكد على ضرورة إصلاحات مؤسسية مدروسة تعمق اندماجه ضمن الهيكل العسكري الرسمي، مع الحفاظ على ما يميزه من ارتباط شعبي، بما يعزز السيادة الوطنية دون إضعافها.
في الختام، يظل الحشد الشعبي حالة بحثية غنية في الدراسات الأمنية. إنه يقدم نموذجاً عملياً لكيفية تحويل التعبئة الشعبية إلى قدرة استراتيجية وطنية، مع الحاجة الدائمة إلى تهذيب هذه القدرة وتوجيهها بما يخدم بناء دولة عراقية متماسكة وقادرة على مواجهة التهديدات المستقبلية الاقتصادية والبيئية والسياسية. في ذكرى تأسيسه، يبدو هذا التشكيل عنصراً أساسياً في معادلة الأمان الوطني، يحمي بصمت ما بُني بتضحيات كبيرة، ويفتح آفاقاً لتطور مؤسسي يعكس عمق الصمود العراقي.

د. محمد جواد محمدي
مدیر قسم الدراسات الإقلیمیة – مرکز بنیان للدراسات

أحدث المحتويات
الأكثر زيارة
الدراسات الإستراتيجية
يوليو 17, 2026