انهيار تحالف جنوب اليمن والنظام السياسي الجديد في صنعاء

مدة القراءة: 5 دقيقة

سپتامبر 9, 2026

في ظلّ الهجمات الصاروخية اليمنية على السعودية، شهدت المعادلات الداخلية لهذا البلد تحولاً جذرياً. فقد أدى انهيار التحالف المناهض للحوثيين، والانقسام العميق بين الرياض وأبوظبي، وظهور أنصار الله كفاعلٍ مهيمن، إلى وضع مستقبل اليمن على مسار جديد.

انهيار مجلس القيادة؛ نهاية تحالف هشّ

إن مجلس القيادة الرئاسي، الذي شُكِّل في عام 2022 بدعم من السعودية والإمارات لمواجهة أنصار الله، بلغ اليوم نقطة الانهيار. فهذا المجلس، الذي كان من المقرر أن يمثل جميع الجماعات المناهضة للحوثيين، عانى منذ البداية من انقسامات داخلية عميقة، تعود جذورها إلى الخلافات التاريخية بين الجنوب والشمال، والتنافس الخفي بين الرياض وأبوظبي.

ففي ديسمبر 2025، سيطرت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي، بدعم إماراتي، على أجزاء واسعة من محافظتي حضرموت والمهرة النفطيتين، وأعلنت اعتزامها إجراء استفتاء على الاستقلال خلال العامين المقبلين. وقد استهدف هذا الإجراء الخط الأحمر للسعودية، إذ تعتبر الرياض هذه المناطق حيويةً بسبب جوارها لحدودها واحتوائها على ما تبقى من احتياطيات الطاقة في اليمن.

وكان ردّ الرياض سريعاً وقاسياً. إذ شنَّت الطائرات الحربية السعودية غارات جوية عنيفة، أجبرت المجلس الانتقالي ليس فقط على الانسحاب من حضرموت والمهرة، بل أيضاً على الخروج من مقرّه في مدينة عدن. وفي يناير 2026، أصدر مجلس القيادة قرارين منفصلين، اتهم فيهما الزبيدي بـ”الخيانة العظمى”، وفرج سالمين البحسيني، محافظ حضرموت السابق، بـ”الانتهاك الجسيم للدستور”، وقرر عزلهما من عضوية المجلس، وتعيين محمود الصبيحي، وزير الدفاع السابق، وسالم الخنبشي، محافظ حضرموت الحالي، مكانهما.

الانقسام الاستراتيجي بين الرياض وأبوظبي؛ لعبة خاسرة على الجبهتين

كانت إقالة الزبيدي والبحسيني بمثابة نهاية اتفاق تقاسم السلطة لعام 2022، وكشفت النقاب عن الانقسام بين الرياض وأبوظبي في اليمن. فالمجلس الانتقالي، الذي كان يطالب بالحكم الذاتي أو استقلال الجنوب بدعم إماراتي، انسحب عملياً من المشاركة في البنية السياسية التي ترعاها السعودية بعد هذه الإقالات. ويرى بعض المحللين أن هذه الإجراءات كانت بمثابة “انقلاب سياسي هادئ” قاده رئيس المجلس، رشاد العليمي، بدعم من الرياض، لتثبيت السلطة في مواجهة التيارات الجنوبية.

وفي ردّ فعل على هذه التوترات، أعلنت الإمارات انسحاب قواتها العسكرية من اليمن، لكنها لم تتخلَّ عن نفوذها في الجنوب. ومع ذلك، كان هذا الانسحاب التكتيكي، أكثر من كونه انسحاباً حقيقياً، محاولةً لتجنب المواجهة المباشرة مع السعودية والحفاظ على الاستثمارات الاستراتيجية في الموانئ والجزر الجنوبية. وقد صرَّح أحد قادة المجلس الانتقالي بأن المجلس “لا يملك القدرة ولا الصلاحية” لمواصلة المسار السابق.

أنصار الله؛ الفاعل المهيمن والنظام الجديد في الشمال

في غضون ذلك، برز أنصار الله، الذي يسيطر على صنعاء وشمال اليمن، كفاعل رئيسي ومهيمن على الساحة السياسية اليمنية. فهذه الحركة، التي تمتد جذورها إلى حركة الصحوة الزيدية والاحتجاج على تهميش الشمال في العقود الماضية، استطاعت على مدى عقدين أن تتحول من حركة احتجاجية دينية إلى قوة سياسية – عسكرية منظمة، لا تسيطر على الشمال فحسب، بل تمتد سيطرتها إلى أجزاء واسعة من وسط وغرب اليمن.

وخلافاً للصورة المبسَّطة التي تروّجها وسائل الإعلام الغربية عن هذه الحركة، فقد تمكن أنصار الله في السنوات الأخيرة من بناء هيكل إداري وحكومي متماسك في المناطق الخاضعة لسيطرته. ومن أهم إنجازات هذه الحركة، تحقيق استقرار نسبي في المناطق الشمالية والوسطى من اليمن، مقارنة بالفوضى السائدة في المناطق الجنوبية. فبينما تعاني المحافظات الجنوبية من أزمة سيولة، واضطراب في صرف رواتب الموظفين، وانعدام الأمن، تشهد مناطق سيطرة أنصار الله نظاماً إدارياً مستقراً نسبياً، وتواصل الأجهزة الحكومية عملها.

كما أن القدرة العسكرية لأنصار الله تتجاوز التصورات المألوفة. فقد تحوَّلت هذه الحركة، بالاستفادة من تجارب ثماني سنوات من الحرب الشاملة مع التحالف السعودي، إلى آلة عسكرية قادرة على تصميم وتنفيذ عمليات هجينة معقَّدة، باستخدام الطائرات المُسيَّرة والصواريخ الباليستية، في عمق الأراضي السعودية. والهجمات الأخيرة على مصافي أرامكو وقاعدة خميس مشيط الجوية، ليست سوى جزء من قدرات هذه الحركة، التي تدل على نضجها الاستراتيجي والعملياتي.

اقتصاد اليمن؛ تكاليف النظام الجديد

إلى جانب هذه الأزمة السياسية، يواجه اقتصاد اليمن تحديات غير مسبوقة. فقد فرضت الاضطرابات الأخيرة واضطراب الواردات ضغوطاً شديدة على الأسعار.

ففي المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المقيمة في الرياض، أدى النقص الحاد في السيولة النقدية، بسبب انعدام الثقة في النظام المصرفي، إلى تعطيل معيشة الناس، وأجبر بعض الشركات على تأجيل أو وقف صرف الرواتب. وتشير الإحصاءات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بالريال اليمني، ارتفع من حوالي 9.9 تريليون في الفترة من 2017 إلى 2025 إلى أكثر من 36 تريليوناً، بينما لم يتجاوز حجم الكتلة النقدية المتداولة خارج البنوك 1.53 تريليون، ليصل إلى 3.27 تريليون فقط. وهذا الفجوة العميقة تعكس عدم كفاءة السياسات النقدية، وتُعدّ أشدَّ المؤشرات خطورة على الانهيار الوشيك للنظام الاقتصادي اليمني.

وفي مناطق سيطرة أنصار الله، ورغم الاستقرار النسبي، شهدت أسعار الزيت النباتي ودقيق القمح ارتفاعاً ملحوظاً، ووفقاً للتقارير المحلية، ارتفع سعر الزيت النباتي بنسبة 24% منذ بداية الشهر الحالي. كما ارتفع مؤشر تكلفة سلة الغذاء الدنيا في منطقة عدن بنسبة 5% مقارنة بشهر فبراير، وشهدت محافظات أبين وتعز وشبوة زيادات بلغت 10% و8% و7% على التوالي.

مستقبل الجنوب؛ غموض

مع إضعاف المجلس الانتقالي الجنوبي، يكتنف الغموض مستقبل هذه الجماعة. وقد تحدثت بعض المصادر عن عزم هذه الجماعة على حلها، لكن المتحدث الرسمي باسم المجلس وصف هذه التقارير بـ”غير الموثوقة”، وأكد مواصلة النشاط. وفسَّر المحللون هذه الخطوة على أنها “لعبة استراتيجية” لكسب موقع في أي حوار مستقبلي تحت الرعاية السعودية.

في الوقت نفسه، تستضيف السعودية اجتماعات تشاورية “لبناء توافق بين الجماعات الجنوبية”، ويبدو أن الرياض تسعى لإعادة تصميم النظام السياسي الجديد في الجنوب بما يتوافق مع مصالحها. لكن بالنظر إلى وجود القوات المسلحة للمجلس الانتقالي في بعض المناطق، والدعم الإماراتي الخفي، يبدو مستقبل الجنوب أكثر غموضاً وتوتراً من أي وقت مضى.

في النهاية، ما حدث في اليمن يتجاوز كونه حرباً أهلية بسيطة. فهذا الصراع هو تجلٍّ لنظام جديد، يتناحر فيه الحلفاء التقليديون بسبب خلافاتهم حول مستقبل اليمن. وبالتزامن مع تغير المعادلات الصاروخية والعسكرية ضد السعودية، يواجه انهيار التحالف الداخلي للرياض هذا البلد بتحدٍّ مزدوج. وفي خضم ذلك، برز أنصار الله كفاعل مهيمن على الساحة السياسية، ووضع مستقبل اليمن على مسار جديد؛ مسار يجعل فيه كلٌّ من المواجهة الميدانية مع التحالف السعودي، والانقسامات العميقة في الجنوب، أيَّ أفقٍ واضح للاستقرار أمراً صعباً.

 

فاطمة کاوند 

باحثة في شوؤن الشرق الأوسط 

أحدث المحتويات
الدراسات الإستراتيجية
سپتامبر 8, 2026
الأكثر زيارة