
يمكن النظر إلى الاجتماع غير الرسمي لمنظمة الدول التركية الذي عُقد في مايو/أيار 2026 بوصفه خطوةً في مسار تحوّل هذه المنظمة من إطار ذي طابع رمزي وثقافي إلى بنية مؤثرة في المعادلات الجيوسياسية والجيو-اقتصادية لأوراسيا. وقد أظهرت هذه القمة، التي استضافتها مدينة تركستان التاريخية في كازاخستان، سعي الدول الأعضاء إلى الارتقاء بمستوى تعاونها من نطاق الشعارات إلى مستوى المشاريع الملموسة والاستراتيجية. ويسعى هذا المقال إلى تحليل مخرجات قمة تركستان، وكذلك الزيارة المتزامنة التي أجراها الرئيس التركي إلى كازاخستان، من أجل تبيان أن منظمة الدول التركية تتطلع إلى تجاوز كونها اتحاداً ذا طابع ثقافي ورمزي فحسب، لتصبح فاعلاً مؤثراً في التفاعلات الإقليمية والدولية من خلال مبادرات استراتيجية مثل الممر الأوسط والتعاون في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.خلال هذا الاجتماع، شدّد قادة الدول الأعضاء على الأهمية الاستراتيجية للممر الأوسط. فقد أكد الرئيس التركي أهمية مشاريع النقل في العالم التركي، ولا سيما الممر الأوسط، مشيراً إلى أن تركيا، بالتعاون مع كازاخستان وسائر الشركاء، ستعمل على تعزيز هذا الممر ليس فقط لنقل البضائع، بل أيضاً لنقل موارد الطاقة إلى الأسواق الغربية. كما أبرز الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف الدور الحيوي للممر الأوسط في تعزيز المكانة الاستراتيجية للمنطقة، مؤكداً أهمية تطوير الربط اللوجستي بين أوروبا وآسيا، وتحويل ممر زنغزور إلى أحد المكونات الرئيسة للممر الأوسط. ومن جانبه، أشار الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف إلى الأهمية الاستراتيجية لهذا الممر، مؤكداً ضرورة تكامله مع مشروع خط السكك الحديدية بين الصين وقرغيزستان وأوزبكستان.وبصورة عامة، أسهمت أزمتان جيوسياسيتان في زيادة أهمية الممر الأوسط بالنسبة لدول المنطقة. تتمثل الأولى في الحرب الروسية الأوكرانية، التي جعلت الممر الشمالي أقل قابلية للتنبؤ، في ظل العقوبات الواسعة المفروضة على روسيا وما ترتب عليها من مخاطر سياسية ولوجستية على مسارات العبور التقليدية عبر الأراضي الروسية. وفي هذا السياق، برز الممر الأوسط بوصفه بديلاً أكثر أماناً، إذ لا يمر عبر الأراضي الروسية ويوفر قدراً أكبر من المرونة لسلاسل التوريد بين الصين وأوروبا.أما الأزمة الثانية فتتمثل في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتي اندلعت منذ أواخر فبراير/شباط 2026، وأدخلت المنطقة في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار. وقد أدى تصاعد التوترات في منطقة الخليج العربي وبحر عُمان إلى تراجع مستويات الأمان في مسارات نقل الطاقة والبضائع عبر الجنوب، الأمر الذي عزّز من أهمية الممر الأوسط باعتباره أحد المسارات الأكثر استقراراً وموثوقية لنقل السلع والطاقة بين الشرق والغرب.وشكّلت قضايا الذكاء الاصطناعي والتنمية الرقمية محوراً رئيساً آخر في أعمال القمة. ومن بين المقترحات المتعددة التي طُرحت، برز موضوعان على نحو خاص. الأول هو مشروع «الممر الرقمي التركي»، الذي طرحه الرئيس الأوزبكي ميرضيائيف رسمياً، ويقوم على ربط مراكز البيانات الإقليمية ببعضها البعض عبر شبكات اتصال عالية السرعة. أما الثاني فهو مشروع «التحالف السيبراني التركي»، الذي اقترحه ميرضيائيف بهدف حماية البنية التحتية الرقمية وتعزيز الأمن السيبراني للدول الأعضاء.بدوره، وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأمن السيبراني بأنه أحد الركائز الأساسية للأمن الوطني، محذراً من أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي وعمليات الرقمنة يخلق أشكالاً جديدة من الهشاشة والمخاطر. وأشار إلى التهديدات التي تستهدف قواعد البيانات والبنى التحتية الحيوية، مؤكداً أن تعزيز التنسيق في مجال الأمن السيبراني سيكون من بين أولويات تركيا خلال فترة رئاستها المقبلة للمنظمة.وعلى الرغم من التقدم الذي أحرزته منظمة الدول التركية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تواجه مجموعة من التحديات. أول هذه التحديات يتمثل في أن العديد من الدول الأعضاء تنتمي في الوقت نفسه إلى أطر ومؤسسات دولية أخرى ذات توجهات مختلفة، مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي. ويؤدي هذا التداخل المؤسسي إلى تعدد الأولويات، بل وتعارضها أحياناً.أما التحدي الثاني فيكمن في محدودية حجم العلاقات الاقتصادية البينية، إذ لا تتجاوز التجارة داخل المنظمة نحو سبعة في المئة من إجمالي التجارة الخارجية للدول الأعضاء. ويتمثل التحدي الثالث في التباين الواضح بين الأنظمة السياسية والأولويات الخارجية لهذه الدول، وهو ما يجعل تبني مواقف موحدة تجاه القضايا الرئيسة أمراً أكثر صعوبة.ويتمثل التحدي الرابع في المنافسة المتزايدة بين القوى الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة والصين وروسيا، في منطقة آسيا الوسطى، الأمر الذي يحد من هامش الحركة المتاح للمنظمة ويدفع بعض الدول الأعضاء إلى اتباع سياسات متباينة أو متناقضة. أما التحدي الخامس فيرتبط بوجود مخاوف لدى بعض دول آسيا الوسطى من تصاعد النزعات المرتبطة بفكرة «التركية العابرة للحدود» أو من تنامي النفوذ التركي في المنطقة، حيث ترى بعض الأوساط أن ذلك قد يتعارض مع خصوصياتها الوطنية واستقلالها السياسي، رغم أن هذه المسألة لا تُطرح عادةً بصورة رسمية.وعليه، يمكن القول إن منظمة الدول التركية، رغم ما تمتلكه من مقومات وفرص واعدة، تواجه أيضاً مجموعة من العقبات البنيوية والسياسية. ومن شأن الكيفية التي ستتعامل بها مع هذه الفرص والتحديات أن تحدد مستقبل المنظمة ومدى قدرتها على التأثير في التفاعلات الإقليمية والدولية.وفي الختام، يمكن استخلاص ثلاث رسائل رئيسة من الاجتماع غير الرسمي لمنظمة الدول التركية. أولاً، أن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والأزمات المتصاعدة في الشرق الأوسط دفعت الدول الأعضاء إلى النظر إلى الممر الأوسط باعتباره مشروعاً مشتركاً وضرورة استراتيجية. وقد أظهر قادة الدول التركية إدراكاً متزايداً لهذه الفرصة التاريخية، وأعلنوا استعدادهم للاستثمار في هذا الممر وتطويره.ثانياً، أن العالم التركي يتجه نحو مرحلة جديدة من التحول الرقمي، مدفوعاً برؤية استراتيجية تشمل مبادرات طموحة مثل الممر الرقمي التركي، والتحالف السيبراني التركي، والتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، بما يعكس إدراكاً متنامياً لأهمية الاستثمار في التقنيات الحديثة وتعزيز التنسيق الإقليمي في هذا المجال.ثالثاً، أن منظمة الدول التركية تبدو في مرحلة انتقالية من إطار ثقافي ورمزي إلى فاعل جيوسياسي وجيو-اقتصادي يسعى إلى لعب دور أكثر تأثيراً في الفضاء الأوراسي. ومن خلال توظيف الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية، تتطلع المنظمة إلى تعزيز حضورها في منطقة تشهد تنافساً متزايداً بين القوى الكبرى على النفوذ والمصالح.
جواد صبوري
باحث في الدراسات التركية