
قمة الناتو في أنقرة والهندسة الأمنية الأوروبية الجديدة
انعقدت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز 2026 في وقت يقف فيه الحلف على أعتاب إحدى أكبر التحولات البنيوية التي يشهدها منذ نهاية الحرب الباردة. وتُعد هذه القمة ثاني استضافة لتركيا لاجتماع قادة الناتو بعد قمة إسطنبول عام 2004.
وقد جاءت القمة في ظل عدد من القضايا والأزمات التي فرضت نفسها على جدول الأعمال، من أبرزها استمرار الحرب في أوكرانيا، وتداعيات الحرب الأخيرة مع إيران وتطورات الشرق الأوسط، والتهديدات التي تواجه الممرات التجارية العالمية، فضلاً عن الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية على الدول الأوروبية لزيادة الإنفاق الدفاعي.
الهدف الاستراتيجي لتركيا في قمة أنقرة
يبدو أن تركيا سعت، مستفيدةً من موقعها بوصفها الدولة المضيفة، ومن الإنجازات التي حققتها في المجالين العسكري والصناعات الدفاعية، إلى أداء دور يتجاوز مكانتها التقليدية كعضو عادي في الحلف، والعمل على ترسيخ موقعها باعتبارها أحد المحاور الرئيسة للهندسة الأمنية الجديدة لحلف الناتو، المعروفة اصطلاحاً بـ «الناتو 3.0».
فلم تعد أنقرة ترغب في الاكتفاء بدور «الدرع» للجناح الجنوبي للحلف، بل ترى أنها أصبحت نقطة ارتكاز استراتيجية تربط مختلف البيئات الأمنية ذات الأولوية بالنسبة للناتو، الممتدة من البحر الأسود والقوقاز إلى الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط. ويمنحها هذا الموقع الجيوسياسي، إلى جانب امتلاكها ثاني أكبر جيش في الحلف من حيث عدد القوات المسلحة، وصناعة دفاعية متقدمة وناضجة، مكانة يصعب الاستغناء عنها في المعادلات الأمنية، الأمر الذي يدفعها إلى المطالبة بدور أكثر تأثيراً داخل الحلف.
ويعبّر مفهوم «الناتو 3.0» عن تصور لحلف أكثر توازناً، تتحمل فيه أوروبا مسؤولية أكبر في مجال الدفاع التقليدي، بينما تظل الولايات المتحدة الركيزة الاستراتيجية الأساسية للحلف. وفي هذا السياق، تستطيع تركيا، بفضل موقعها الجيوسياسي بوصفها حارساً للبحر الأسود، وبحكم احتفاظها بقنوات الحوار مع روسيا، ودعمها لأوكرانيا، وكونها أقرب أعضاء الناتو إلى منطقة الشرق الأوسط، أن تؤدي دور «الجسر الاستراتيجي» بين الغرب ومناطق الأزمات.
ويكتسب هذا الدور أهمية متزايدة في ظل تراجع التماسك الداخلي للحلف نتيجة الخلافات العابرة للأطلسي، الأمر الذي جعل أوروبا أكثر احتياجاً إلى شركاء إقليميين يتمتعون بقدرات استراتيجية، وفي مقدمتهم تركيا. كما مثّل ترحيب أنقرة بنشر منظومات الدفاع الجوي الألمانية باتريوت خطوة استراتيجية باتجاه تعزيز تقاربها مع الناتو وأوروبا. فمن خلال هذا القرار، حرصت تركيا على تأكيد مكانتها باعتبارها الركيزة الأساسية للجناح الجنوبي الشرقي للحلف، كما استفادت من الثقل السياسي لألمانيا في تخفيف التوترات وإعادة بناء الثقة. وقد شكّل هذا التحرك، الذي جاء في أعقاب أزمة منظومة إس-400 والعقوبات المفروضة على قطاع الصناعات الدفاعية التركي، جسراً لإعادة دمج تركيا في منظومة الدفاع الصاروخي الموحدة للناتو، وإثبات استمرار أهميتها داخل منظومة الأمن الجماعي الغربي.
ولا تستند الطموحات التركية إلى موقعها الجغرافي فحسب، بل أيضاً إلى التطورات الكبيرة التي شهدها قطاع الصناعات الدفاعية. فقد بلغت صادرات الصناعات الدفاعية التركية خلال عام 2025 نحو 10.5 مليارات دولار، كما ارتفعت حصة صادراتها إلى دول الناتو لتصل إلى نحو 56% من إجمالي صادراتها الدفاعية.
ومن أبرز الإنجازات التي عززت هذه المكانة المقاتلة الشبحية من الجيل الخامس «قاآن»، وحاملة الطائرات الوطنية «موجَم»، والصاروخ الباليستي بعيد المدى «يلدريم هان»، ومنظومة الدفاع الجوي «تشليك كوبّه». وقد أسهمت هذه الإنجازات في انتقال تركيا من دولة مستوردة للتكنولوجيا العسكرية إلى دولة منتجة ومصدّرة لها.
وخلال مناورات Steadfast Dart 2026 التي أُجريت في ألمانيا، تولت تركيا مسؤولية قيادة وإدارة المجال الجوي للمناورات بأكملها، بينما غاب الجنود الأمريكيون عن المشاركة لأول مرة، وهو ما عُدّ مؤشراً واضحاً على رغبة أنقرة في الاضطلاع بدور يتجاوز الدور التقليدي للدول الأعضاء في الحلف.
الأهداف المرحلية لتركيا في قمة الناتو
إلى جانب هدفها الاستراتيجي المتمثل في تعزيز دورها المحوري في الهندسة الأمنية الأوروبية، سعت تركيا إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الدبلوماسية والعسكرية العاجلة خلال قمة أنقرة.
وفي مقدمة هذه الأهداف العمل على رفع العقوبات المفروضة عليها بموجب قانون CAATSA، التي فُرضت في ديسمبر/كانون الأول 2020 بسبب شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400، إضافة إلى السعي لاستعادة عضويتها في برنامج مقاتلات F-35، الذي استُبعدت منه عام 2019 للسبب ذاته.
وفي هامش القمة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صراحةً أن واشنطن ستتخذ خطوات لإلغاء عقوبات CAATSA المفروضة على تركيا، وإعادة فتح النقاش بشأن عودة أنقرة إلى برنامج F-35. ومن جانبه، أعرب الرئيس رجب طيب أردوغان عن أمله في صدور قرار إيجابي بهذا الشأن، مذكراً بأن الولايات المتحدة كانت قد تعهدت سابقاً بتسليم تركيا خمس مقاتلات من هذا الطراز.
التحديات التي تواجه تركيا داخل الناتو
وعلى الرغم من هذه الطموحات، فإن مسار تركيا نحو التحول إلى أحد الفاعلين الرئيسيين داخل الحلف لا يزال يواجه جملة من التحديات البنيوية.
أولاً، ما تزال القيود التي تفرضها بعض الدول الغربية على نقل التكنولوجيا وبيع الأسلحة المتطورة تغذي حالة انعدام الثقة في أنقرة.
ثانياً، تستمر الخلافات غير المحسومة مع اليونان بشأن شرق البحر المتوسط في تقويض تماسك الحلف الداخلي.
ثالثاً، ورغم أن تمسك تركيا باستقلالية قرارها في الملفات الإقليمية، من سوريا وليبيا إلى القوقاز، يمنحها هامشاً أكبر من النفوذ، فإن عدداً من الحلفاء الغربيين ينظرون إليه بوصفه ابتعاداً عن معايير التنسيق المعتمدة داخل الناتو.
أما التحدي الرابع، وربما الأكثر أهمية، فيتمثل في طبيعة العلاقة المعقدة والمتعددة الأبعاد بين تركيا وروسيا، إذ تجمع بين التنافس الجيوسياسي، والشراكة في مجال الطاقة، والتعاون العسكري، وهو ما يتعارض مع الخطوط الحمراء التي تضعها بعض دول الحلف، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
الخاتمة
تكشف قمة أنقرة أن تركيا تسعى بخطى متسارعة إلى التحول إلى أحد المحاور الرئيسة للهندسة الأمنية الجديدة لحلف شمال الأطلسي. فقد خلصت القيادة التركية إلى أن استمرار العضوية في الناتو، رغم ما يفرضه من قيود والتزامات، يظل ضرورة لتحقيق المصالح الاستراتيجية والأمنية للدولة، مع الحرص في الوقت نفسه على تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية والاعتماد على القدرات الذاتية بوصفهما شرطين أساسيين للقيام بدور أكثر فاعلية داخل الحلف، مع المحافظة على علاقاتها وشراكاتها مع القوى غير الغربية.
وبعبارة أخرى، تدرك أنقرة، في ضوء التحولات الجيوسياسية المتسارعة واتساع هوة الخلافات داخل الحلف، أن الفرصة أصبحت مواتية لتعزيز مكانتها في بنية الأمن الأوروبي وفي الهيكل الجديد للناتو (الناتو 3.0). كما تعي أن التراجع التدريجي للدور الأمريكي التقليدي في ضمان أمن أوروبا يدفع العواصم الأوروبية إلى البحث عن شركاء أقوياء وموثوقين، الأمر الذي يمنح تركيا، بفضل موقعها الجيوسياسي، وقاعدتها الصناعية الدفاعية، وخبرتها العملياتية، فرصة حقيقية للتحول إلى أحد الأعمدة الرئيسة للأمن الأوروبي في المرحلة المقبلة.
إعداد: جواد صبوري كزج
باحث في الدراسات التركية