
دخلت المنافسة والتوتّر بين تركيا وإسرائيل، اللذان بلغا ذروتهما خلال السنوات الأخيرة، إلى ساحة الممرّات التجارية والترانزيت الإقليمي أيضاً، حيث يسعى الطرفان إلى تصميم مسارات متنافسة تهدف إلى تهميش أحدهما الآخر في المعادلات الاقتصادية للشرق الأوسط. وفي هذا السياق، برز مشروع يُعرف باسم «ممرّ الحجاز» بوصفه مبادرةً استراتيجية تركية لإعادة تعريف شبكة النقل الإقليمية.
ينطلق هذا الممر من تركيا، ثم يعبر الأراضي السورية وصولاً إلى الأردن، ومنه إلى المملكة العربية السعودية، قبل أن يمتد إلى دول مجلس التعاون الخليجي، وهي: الإمارات العربية المتحدة، وقطر، والكويت، وسلطنة عُمان، والبحرين. وتسعى تركيا إلى إحياء شبكة من الطرق وخطوط السكك الحديدية، ولا سيّما سكة حديد الحجاز التاريخية، بهدف إنشاء ممرّ نقل إقليمي يربط أوروبا بالخليج الفارسي عبر الأناضول وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية.
وبحسب تقديرات تحليلية، يمكن لهذا الممر أن يخفض تكاليف النقل بين تركيا والأردن ودول الخليج بنسبة تتراوح بين 20 و30 في المئة، كما يمكن أن يقلّص مدة نقل البضائع من خمسة عشر يوماً إلى ستة أيام فقط.
ويُعزى الاهتمام المتجدّد بممرّ الحجاز إلى ثلاثة أزمات رئيسية. أولها الأزمة المحيطة بمضيق هرمز، الذي يُعدّ أحد أهمّ الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم، إذ يبقى عرضةً للتهديدات العسكرية والتوترات الدبلوماسية، بما يهدد سلاسل إمداد الطاقة والسلع عالمياً. أما العامل الثاني، فيتمثل في التقلّبات الحادة التي شهدتها أسعار الطاقة في الأسواق الدولية خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي دفع دول المنطقة إلى البحث عن مسارات بديلة وأكثر أمناً لنقل السلع والطاقة. أما العامل الثالث، فيتعلق بالتحولات السياسية في سوريا عقب تراجع حدّة الحرب الأهلية وعودة دمشق تدريجياً إلى جامعة الدول العربية، وهو ما أتاح أرضيةً مناسبة لاستئناف التعاون الإقليمي.
وفي ضوء تفاعل هذه العوامل الثلاثة، خلصت أنقرة إلى أن الظروف باتت مواتية لإحياء ممرّ الحجاز.
ومع ذلك، فإن تنفيذ هذا المشروع الضخم يواجه تحديات معقدة لا يمكن تجاوزها بسهولة. ويتمثل التحدي الأول، وربما الأهم، في الوضع الأمني المضطرب وغير المستقر في جنوب وشرق سوريا. أما التحدي الثاني، فيرتبط بالبنية التحتية المتهالكة والمدمرة. فسكة حديد الحجاز التاريخية، التي شُيّدت في بدايات القرن العشرين على يد الدولة العثمانية ودخلت الخدمة عام 1908، تعرضت لأضرار جسيمة خلال الحرب العالمية الأولى، ثم خلال الحرب الأهلية السورية. وقد أصبح مسارها الرئيسي الممتد من دمشق إلى المدينة المنورة مهجوراً وغير صالح للاستخدام، الأمر الذي يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات لإعادة تأهيله.
أما التحدي الثالث، فيتمثل في التنافس الإقليمي الحاد للسيطرة على طرق التجارة، حيث تُعدّ إسرائيل أبرز الأطراف المنافسة عبر مشروعها المعروف باسم «الممرّ الاقتصادي الهندي ـ الشرق الأوسط ـ أوروبا» (IMEC)، المدعوم من الولايات المتحدة والهند.
وعلى الرغم من هذه العقبات، فإن التطورات السياسية خلال عام 2026 تشير إلى دخول المشروع مرحلة التنفيذ العملي. ففي أبريل/نيسان 2026، وقّع وزير النقل والبنية التحتية التركي، إلى جانب نظيريه الأردني والسوري، مذكرة تفاهم ثلاثية خلال اجتماع عُقد في العاصمة الأردنية عمّان، تناولت تعزيز التعاون في قطاع النقل. وأكد الوزير التركي خلال المناسبة أن هذه المبادرة تعكس التزاماً مشتركاً بالتنمية والازدهار الإقليمي، قائلاً: «إن هذا الاجتماع ليس مجرد لقاء تقني بشأن النقل، بل هو إعلان إرادة قوية من أجل رفاه الشعوب والتنمية الإقليمية».
وبعد شهرين من هذا الاتفاق، وتحديداً في الثاني من يونيو/حزيران 2026، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، خلال كلمة ألقاها في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) في سنغافورة وبثّتها قناة الجزيرة مباشرة، أن أنقرة تجري مباحثات مع المملكة العربية السعودية ودول أخرى في المنطقة لإحياء هذا الممرّ الإقليمي للنقل.
وأوضح فيدان أن الاضطرابات التي تشهدها حركة الملاحة البحرية وارتفاع تكاليف النقل عزّزا الحاجة إلى إيجاد مسارات برية آمنة وموثوقة، مؤكداً أن المسارات المقترحة لن تسهم فقط في نقل الطاقة، بل ستسهل أيضاً حركة البضائع والمواد الغذائية والتجارة الإقليمية. وأضاف أن تحسين مشاريع النقل وتعزيز الترابط الإقليمي يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي والتجاري، ويدعم الاستقرار والتنمية المشتركة في المنطقة.
ولفهم البعد الاستراتيجي العميق لهذا المشروع، لا بد من التوقف عند ما تصفه تركيا بـ«الممرّ المنافس». فقد أُعلن عن مشروع «الممرّ الاقتصادي الهندي ـ الشرق الأوسط ـ أوروبا» (IMEC) خلال قمة مجموعة العشرين في نيودل هي عام 2023، بوصفه مبادرة اقتصادية كبرى تقودها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند، بمشاركة السعودية والإمارات والأردن وإسرائيل.
ويهدف هذا الممر إلى ربط الهند بالخليج الفارسي عبر البحر، ثم نقل البضائع عبر الإمارات والسعودية والأردن وصولاً إلى إسرائيل، ولا سيّما ميناء حيفا، ومنه إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط.
غير أن النقطة الأكثر حساسية بالنسبة إلى تركيا تكمن في أن مشروع «آيمك» يمنح إسرائيل موقعاً محورياً بوصفها نقطة عبور رئيسية وجسراً استراتيجياً يربط آسيا بأوروبا، في حين يتم استبعاد تركيا بالكامل من هذه المعادلة.
ومن هنا، ترى أنقرة أن «ممرّ الحجاز» يمثل مشروعاً مقابلاً لـ«آيمك»، ويهدف إلى تقليص الدور الإسرائيلي في التجارة الإقليمية. فالممرّ الجديد، الذي يربط الخليج الفارسي مباشرة بتركيا عبر سوريا والأردن والسعودية، ثم بأوروبا، يؤسس لمسار يمرّ بالكامل عبر دول حليفة لتركيا، متجاوزاً إسرائيل بصورة كاملة.
وقد وصف محللون دوليون هذه الخطوة التركية بأنها ضربة لأهم مشروع اقتصادي استراتيجي تعوّل عليه إسرائيل. إذ تشهد العلاقات التركية ـ الإسرائيلية في المرحلة الراهنة توتراً سياسياً ودبلوماسياً متصاعداً، تعكسه تصريحات مسؤولين أتراك رفيعي المستوى في مناسبات مختلفة، بما يوحي بأن أنقرة تتبنى سياسة تنافسية وعدائية تجاه تل أبيب.
وفي هذا السياق، صرّح وزير التجارة التركي عمر بولاط بأن «تقليص النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، بالتوازي مع تعزيز التضامن السياسي والاقتصادي بيننا، من شأنه أن يسهم في تحقيق السلام والاستقرار».
وعليه، فإن ممرّ الحجاز لا يُنظر إليه بوصفه مجرد مشروع تجاري أو لوجستي، بل باعتباره أداة استراتيجية تستخدمها تركيا لإضعاف النفوذ الاقتصادي الإسرائيلي على المدى الطويل، وإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
فإسرائيل، التي كانت ترى في مشروع «آيمك» نواةً اقتصادية لمسار تطبيع العلاقات مع السعودية، ووسيلة لترسيخ موقعها بوصفها مركزاً تجارياً جديداً في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام مشروع منافس قد يُضعف الجاذبية الاقتصادية التي كانت تمثل أحد أبرز دوافع الرياض نحو التطبيع.
وبذلك، يتحول «ممرّ الحجاز» من مجرد ممرّ للنقل والتجارة إلى رهان جيوسياسي واسع يسعى إلى إعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي والسياسي في المنطقة.
جواد صبوري
باحث في الدراسات التركية