
ظلّ البناء السياسي لدولة الإمارات العربية المتحدة، بوصفه نظامًا فدراليًا ناشئًا في منطقة الخليج الفارسي، خاضعًا منذ تأسيسه لاختبار معقّد بين مركزية السلطة التنفيذية وبين ضرورة التوزيع المتوازن للصلاحيات بين الإمارات السبع المكوِّنة للاتحاد. وفي قلب هذا التوازن يقف «المجلس الأعلى للاتحاد» باعتباره أعلى سلطة دستورية في الدولة، والهيئة التي أُنيط بها، نظريًا، ضمان التوازن بين المصالح المحلية للإمارات المختلفة وبين متطلبات الدولة الاتحادية الحديثة.
غير أنّ السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا تدريجيًا للدور العملي للمجلس الأعلى، بالتوازي مع تصاعد مركزية القرار السياسي والأمني والاقتصادي داخل المؤسسات التنفيذية، ولا سيما في إمارة أبوظبي. ونتيجة لذلك، باتت مسألة إعادة إحياء الدور الحقيقي للمجلس الأعلى تتجاوز الإطار القانوني أو الإداري، لتتحول إلى قضية سياسية واستراتيجية مرتبطة بالحفاظ على التماسك الداخلي للاتحاد، واحتواء تزايد شعور بعض الإمارات الأصغر بالتهميش، فضلًا عن إدارة تداعيات الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة في المنطقة.
وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل الخلفيات النظرية والسياسية لمحاولات إعادة الاعتبار إلى المجلس الأعلى للاتحاد، من خلال التطرق إلى فلسفة وجود المؤسسات في توزيع السلطة داخل الأنظمة الفدرالية، وقراءة المكانة الدستورية للمجلس الأعلى، ثم مقارنة هذه المكانة النظرية بالواقع العملي الذي تجلّى في أحداث السنوات الأخيرة، بدءًا من اتفاقيات أبراهام ووصولًا إلى التطورات المرتبطة بما يُعرف بـ«حرب رمضان». كما تتناول الدراسة العوامل التي قد تدفع نحو إحياء المجلس، والعقبات البنيوية والسياسية التي تعيق هذا المسار.
فلسفة وجود البيروقراطية والمؤسسات في التوزيع المتوازن للسلطة
لا يمكن النظر إلى البيروقراطية والمؤسسات الرسمية باعتبارها مجرد أدوات إدارية أو تنفيذية، بل تمثل في جوهرها آليات لتنظيم السلطة، وتحديد مجالات النفوذ، ومنع التركز المفرط للقوة السياسية داخل يد جهة واحدة أو شخصية واحدة. وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في الأنظمة الفدرالية، حيث تتكوّن الدولة من وحدات سياسية متفاوتة في الحجم والنفوذ والثروة والقدرة العسكرية، كما هو الحال في دولة الإمارات العربية المتحدة.
وفي مثل هذه الأنظمة، تصبح المؤسسات الاتحادية العابرة للإمارات ضرورة وجودية للحفاظ على وحدة الدولة. فوجود هيئة مثل «المجلس الأعلى للاتحاد» لا يهدف فقط إلى إدارة الشؤون العامة، بل إلى خلق مساحة مؤسساتية للتفاوض والتوافق بين الإمارات المختلفة، ومنع هيمنة إمارة بعينها على مجمل القرار الاتحادي.

وتؤدي هذه المؤسسات عدة وظائف مترابطة:
أولًا: تنظيم الصلاحيات ومنع التداخل
تقوم المؤسسات الرسمية بتحديد حدود السلطات التنفيذية والتشريعية والرقابية، بما يمنع تغوّل طرف واحد على بقية الأطراف، ويحول دون انتقال النظام نحو حكم شخصاني غير مؤسسي.
ثانيًا: إضفاء الشرعية على القرارات الكبرى
في الأنظمة الفدرالية، لا تكتسب القرارات الاستراتيجية شرعيتها فقط من فعاليتها، بل من كونها ناتجة عن آليات تشاور وتمثيل جماعي. ومن ثمّ، فإنّ وجود مؤسسة جماعية مثل المجلس الأعلى يضفي طابعًا اتحاديًا على القرارات المصيرية.
ثالثًا: حماية الوحدات الأصغر داخل الاتحاد
تشكّل المؤسسات الاتحادية وسيلة لطمأنة الإمارات الأقل نفوذًا بأنّ مصالحها لن تُهمَّش بالكامل أمام القوى الأكبر اقتصاديًا وعسكريًا.
رابعًا: تحويل الصراع إلى تفاوض مؤسساتي
بدلًا من انتقال الخلافات بين الإمارات إلى تنافس مفتوح أو صراعات نفوذ مباشرة، توفّر المؤسسات إطارًا قانونيًا وسياسيًا لإدارة التباينات ضمن قواعد متفق عليها.
ومن هنا، فإنّ تراجع دور المؤسسات لصالح شبكات القرار الشخصية أو التنفيذية المركزية يؤدي غالبًا إلى اختلال التوازن الفدرالي، ويزيد من احتمالات التوتر الداخلي والشعور بالتهميش لدى الأطراف الأضعف. ولذلك، فإنّ الدعوات إلى إحياء المجلس الأعلى تعبّر، في جوهرها، عن محاولة لإعادة الاعتبار إلى فكرة «الحكم المؤسسي» في مواجهة «الحكم الشخصاني المركزي».
مكانة «المجلس الأعلى للاتحاد» في دستور الإمارات: بين النص الدستوري والممارسة السياسية
أولى الدستور الإماراتي المجلس الأعلى للاتحاد مكانة مركزية واستثنائية داخل هيكل الدولة. ويتضح ذلك منذ الباب الأول من الدستور، حيث خُصِّص الفصل الأول بالكامل للمجلس الأعلى، بما يعكس رؤية المؤسسين لدوره باعتباره رأس النظام السياسي الاتحادي.
وتنص المادة الأولى من هذا الفصل على أنّ المجلس الأعلى هو «السلطة العليا في دولة الإمارات العربية المتحدة»، وهي صياغة تمنحه مرتبة تعلو على جميع السلطات الأخرى.
كما يمنحه الدستور صلاحيات سيادية واسعة، تصل إلى حدّ الإشراف على تغيير الكيان الاتحادي نفسه، بما في ذلك قبول انضمام أقاليم جديدة إلى الدولة.
وفي الباب الرابع الخاص بالسلطات الاتحادية، يعود الدستور ليؤكد هذه المكانة. فالمادة 46 تنص صراحة على أنّ المجلس الأعلى هو أعلى سلطة اتحادية، وأنّ جميع المؤسسات الاتحادية الأخرى تعمل ضمن الإطار الذي يرسمه.
أما من حيث التكوين، فيتألف المجلس من حكّام الإمارات السبع:
أبوظبي
دبي
الشارقة
عجمان
أم القيوين
رأس الخيمة
الفجيرة
ويمتلك كل من أبوظبي ودبي صوتين داخل المجلس، بينما تمتلك بقية الإمارات صوتًا واحدًا لكل منها، ليصبح مجموع الأصوات تسعة.
وتنص المادة 47 على مجموعة واسعة من الصلاحيات، من أبرزها:
رسم السياسات العامة للدولة في جميع الشؤون الداخلية والخارجية.
التصديق على القوانين الاتحادية قبل إصدارها.
إقرار الميزانية العامة والحسابات الختامية.
المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية.
انتخاب رئيس الدولة واعتماد تعيين رئيس الوزراء.
تعيين قضاة المحكمة الاتحادية العليا وكبار المسؤولين.
الرقابة العامة على تنفيذ السياسات الاتحادية.
وتكشف هذه الصلاحيات، من الناحية النظرية، عن نموذج فدرالي يقوم على قيادة جماعية تمارس الرقابة على السلطة التنفيذية، وتشارك بصورة مباشرة في صناعة القرار السيادي.
غير أنّ الواقع السياسي سار في اتجاه مختلف نسبيًا، إذ أدى تصاعد النفوذ المالي والعسكري والأمني لإمارة أبوظبي، إضافة إلى مركزية القرار التنفيذي، إلى تقليص الدور العملي للمجلس الأعلى، وتحويله تدريجيًا إلى هيئة تصديقية أكثر من كونه مؤسسة تداول وصنع قرار جماعي.

من النظرية إلى الواقع: تراجع الدور العملي للمجلس الأعلى
رغم المكانة الدستورية الرفيعة للمجلس الأعلى، فإنّ الممارسة السياسية خلال العقدين الأخيرين أظهرت تراجعًا واضحًا لدوره الفعلي في صناعة القرار. فقد باتت القرارات الاستراتيجية الكبرى تُتخذ غالبًا داخل الدوائر التنفيذية الضيقة، ثم تُعرض لاحقًا على المجلس الأعلى للمصادقة الشكلية.
ويعود ذلك إلى عدة عوامل مترابطة:
أولًا: صعود المركزية التنفيذية في أبوظبي
أدّى النمو الهائل في القدرات المالية والعسكرية والأمنية لأبوظبي إلى انتقال مركز الثقل السياسي داخل الاتحاد إليها بصورة متزايدة، الأمر الذي قلّص فعليًا من قدرة الإمارات الأخرى على التأثير في القرارات السيادية.
ثانيًا: هيمنة منطق الكفاءة التنفيذية
جرى تبرير تقليص دور المؤسسات الجماعية بالحاجة إلى سرعة اتخاذ القرار و«فعالية الحكم»، خصوصًا في الملفات الأمنية والاقتصادية المعقدة.
ثالثًا: ترسّخ الأعراف السياسية
مع مرور الوقت، نشأت أعراف غير مكتوبة تقوم على تجنّب الخلافات العلنية داخل المجلس الأعلى، والاكتفاء بإظهار صورة الوحدة والإجماع.
ونتيجة لذلك، أصبح المجلس الأعلى في كثير من الأحيان أقرب إلى مؤسسة تصديق بروتوكولي، بدلًا من كونه ساحة فعلية للنقاش والتوازن الفدرالي.
اتفاقيات أبراهام: نموذج لتهميش المجلس الأعلى
شكّلت اتفاقيات أبراهام الخاصة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل مثالًا بارزًا على الفجوة بين النص الدستوري والممارسة السياسية.
فبحسب الدستور، تُعدّ الاتفاقيات الدولية من اختصاصات المجلس الأعلى، وكان من المفترض أن تشهد هذه الاتفاقيات نقاشًا مؤسساتيًا واسعًا داخل المجلس، نظرًا إلى حساسيتها السياسية والاستراتيجية.
إلا أنّ ما حدث عمليًا كان مختلفًا؛ إذ جرى اتخاذ القرار ضمن الدوائر التنفيذية العليا، ثم عُرض على المجلس الأعلى بصيغة شبه نهائية.
ورغم أنّ التصويت العددي كان يضمن تمرير الاتفاقيات بسهولة عبر أصوات أبوظبي ودبي، فإنّ السلطة الاتحادية فضّلت تجنّب أي نقاش علني قد يكشف اعتراضات بعض الإمارات، مثل الشارقة أو عجمان، حفاظًا على صورة «الإجماع الوطني».
وبذلك، تحوّل المجلس الأعلى من مؤسسة لصناعة القرار إلى أداة لإضفاء الشرعية الشكلية على قرارات سبق اتخاذها.
حرب رمضان: بداية الاعتراضات الجدية داخل المجلس الأعلى
تمثل الأزمة المعروفة إعلاميًا وسياسيًا باسم «حرب رمضان» نقطة تحوّل مهمة في العلاقة بين المجلس الأعلى والسلطة التنفيذية المركزية.
فالتطورات الإقليمية خلال عامي 2024 و2025، وما رافقها من تصاعد التوترات العسكرية والسياسية، أدّت إلى بروز مخاوف حقيقية لدى بعض الإمارات من انعكاسات السياسات الخارجية والأمنية على أمن الاتحاد الداخلي.
وقد ساهمت عدة عوامل في تصاعد هذه الاعتراضات:
أولًا: التوتر مع المملكة العربية السعودية
أدّت المنافسة المتزايدة بين أبوظبي والرياض في ملفات مثل اليمن والقرن الإفريقي إلى احتكاكات مباشرة أثّرت في المصالح الإماراتية. كما أثار استهداف مواقع حلفاء الإمارات في اليمن مخاوف داخلية بشأن كلفة الانخراط الإقليمي المتصاعد.
ثانيًا: الوجود العسكري والاستشاري الأجنبي أثار وجود مستشارين عسكريين أجانب، بمن فيهم إسرائيليون وأوكرانيون، على الأراضي الإماراتية قلق عدد من حكّام الإمارات، الذين رأوا في ذلك تهديدًا مباشرًا للأمن الداخلي وللتوازنات الإقليمية.
ثالثًا: الاتفاقيات العسكرية مع إسرائيل
رأت بعض الإمارات أنّ التوسّع في التعاون العسكري والأمني مع إسرائيل قد يجرّ الدولة إلى استقطابات وصراعات إقليمية تتجاوز قدرة الاتحاد على تحمّل تبعاتها.
رابعًا: الخشية من توريط الاتحاد في صراعات مفتوحة
برزت مخاوف متزايدة من أنّ القرارات الخارجية التي تُتخذ بصورة مركزية قد تدفع جميع الإمارات إلى تحمّل نتائج مواجهات لم تشارك فعليًا في صنع قرارها.
وفي هذا السياق، حاول بعض أعضاء المجلس الأعلى الاستناد إلى الصلاحيات الدستورية المنصوص عليها في المادة 47 للمطالبة بدور أكبر للمجلس في الرقابة على السياسات الأمنية والخارجية.
ورغم أنّ هذه التحركات لم تؤدِّ إلى تغيير جذري في بنية القرار، فإنها مثّلت أول مؤشر واضح منذ سنوات على وجود محاولة لإعادة تفعيل المجلس الأعلى كهيئة رقابية واتحادية حقيقية.
العوامل الدافعة نحو إحياء المجلس الأعلى
يمكن رصد عدة عوامل قد تدفع مستقبلًا نحو تعزيز دور المجلس الأعلى:
تزايد التحديات الأمنية الإقليمية.
تصاعد كلفة السياسات الخارجية المركزية.
تنامي شعور الإمارات الأصغر بالتهميش.
الحاجة إلى توزيع المسؤولية السياسية داخل الاتحاد.
الرغبة في تعزيز الشرعية المؤسسية للنظام السياسي.
كما أنّ استمرار الأزمات الإقليمية قد يدفع نحو إعادة الاعتبار للآليات الجماعية بوصفها وسيلة لاحتواء التوترات الداخلية وتوزيع أعباء القرار.
العقبات التي تواجه عملية الإحياء
في المقابل، توجد عقبات قوية تعيق هذا المسار، من أبرزها:
الهيمنة التصويتية والسياسية لأبوظبي ودبي.
النفوذ المالي والأمني الواسع لأبوظبي.
ترسّخ الثقافة السياسية القائمة على المركزية التنفيذية.
غياب تقاليد راسخة للخلاف المؤسسي العلني.
خشية بعض النخب من أن يؤدي توسيع دور المجلس إلى إبطاء عملية اتخاذ القرار.
كما أنّ نجاح أي عملية إحياء حقيقية للمجلس الأعلى يتطلب قبولًا ضمنيًا من القوى المهيمنة بتقليص جزء من نفوذها لصالح مؤسسات جماعية، وهو أمر لا يبدو سهل التحقيق في المدى القريب.
الخاتمة
تكشف قضية إحياء المجلس الأعلى للاتحاد عن التوتر البنيوي القائم داخل النموذج الفدرالي الإماراتي بين منطق الحكم المؤسسي ومنطق المركزية التنفيذية.
فمن جهة، تبرز الحاجة المتزايدة إلى إعادة التوازن داخل الاتحاد، خصوصًا في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية المتصاعدة. ومن جهة أخرى، تواصل البنية السياسية القائمة تعزيز مركزية القرار داخل المؤسسات التنفيذية القوية، وعلى رأسها أبوظبي.
وقد أظهرت التطورات المرتبطة باتفاقيات أبراهام وحرب رمضان أنّ تغييب المؤسسات الجماعية عن القرارات الاستراتيجية قد يؤدي إلى تنامي الشعور بالتهميش داخل بعض الإمارات، ويزيد من المخاطر المرتبطة بتحمّل الجميع تبعات قرارات لم يشاركوا فعليًا في صياغتها.
ومع ذلك، يبقى مستقبل المجلس الأعلى مرتبطًا بدرجة كبيرة بتطور البيئة الإقليمية وبطبيعة توازنات القوة داخل الدولة. فإذا استمرت الضغوط الجيوسياسية والأمنية في التصاعد، فقد تتزايد الحاجة إلى إعادة تفعيل المؤسسات الاتحادية الجماعية بوصفها آلية لضبط القرار وتوزيع المسؤولية.
أما إذا استمرت هيمنة المركزية التنفيذية دون تحديات كبيرة، فمن المرجّح أن يظل المجلس الأعلى يؤدي دورًا بروتوكوليًا وتصديقيًا أكثر من كونه مركزًا فعليًا لصناعة القرار.
وفي جميع الأحوال، فإنّ الإحياء الحقيقي للمجلس الأعلى لن يتحقق عبر تعديل قانوني أو اجتماع انائي فحسب، بل يتطلب تحولًا تدريجيًا في الثقافة السياسية الإماراتية، من منطق «الحكم الشخصاني المركزي» إلى منطق «الحكم المؤسسي التشاركي»
علي رضا مجیدي
باحث في مرکز بنیان