كشفُ النقاب عن صاروخ «يلدريم هان»؛ إعادةُ التشكل الجيوسياسي لتركيا على أساس الاكتفاء الذاتي العسكري في ظلّ التهديدات الإقليمية وحرب رمضان

مدة القراءة: 5 دقيقة

مايو 9, 2026

شكّل الكشف عن الصاروخ الباليستي العابر للقارات «يلدريم هان» (Yıldırım Han) خلال معرض الصناعات الدفاعية SAHA 2026 في إسطنبول، استجابةً استراتيجيةً لاندلاع «حرب رمضان» (الحرب الأميركية والإسرائيلية ضد إيران)، بالتزامن مع تكرار خروقات وقف إطلاق النار من جانب إسرائيل في غزة ولبنان، واستمرار التوترات بين روسيا وأوكرانيا. وفي هذا السياق، جرى توصيف إسرائيل بصورة واضحة من قبل مسؤولين رفيعي المستوى في أنقرة باعتبارها «تهديداً مباشراً وأولياً»، بحيث لم يعد تحقيق الردع تجاهها يُنظر إليه بوصفه خياراً دبلوماسياً، بل باعتباره ضرورةً حيويةً لأمن تركيا وبقائها. وقد صُمّم صاروخ «يلدريم هان»، بصفته أول صاروخ عابر للقارات تطوره تركيا بمدى يبلغ ستة آلاف كيلومتر وقدرة على حمل رؤوس حربية ثقيلة، لتحقيق هذا الهدف الردعي. ويحمل الإعلان عنه في هذا التوقيت رسالةً مباشرةً مفادها أن أنقرة باتت ترى نفسها مستعدةً للتعامل مع التهديدات العابرة للحدود.

ويُعدّ «يلدريم هان» أحد مشاريع الاكتفاء الذاتي الدفاعي التي طوّرها مركز الأبحاث والتطوير التابع لوزارة الدفاع الوطني التركية. وخلال السنوات الأخيرة، سعت تركيا إلى تقليص اعتمادها العسكري على الخارج. ومع اندلاع الحرب المركبة التي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، خلصت أنقرة إلى أن مرحلة «الأمن القائم على التبعية» قد انتهت. وقد اعتُبرت تجربة إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، بالاعتماد على منظومات تسليح محلية، تجربةً ذات دلالة بالنسبة لصنّاع القرار الأتراك. وأسهم هذا النموذج في دفع تركيا بصورة أكثر وضوحاً نحو تعزيز الاكتفاء الذاتي العسكري وتقليص الاعتماد على الخارج. ومن هذا المنطلق، برز مفهوم «الردع المحلي» بوصفه توجهاً عملياً أكثر منه مجرد إطار نظري. ويظهر ذلك في سلسلة من المشاريع العسكرية، بدءاً من الصاروخ الباليستي «تايفون 4» (Tayfun-4) الذي رفع المدى العملياتي للقوة الصاروخية التركية إلى أكثر من ألفَي كيلومتر، وصولاً إلى منظومة الدفاع الجوي متعددة الطبقات «تشيليك كوبه» (Çelik Kubbe) القادرة على مواجهة التهديدات الجوية، من الطائرات المسيّرة إلى الصواريخ الباليستية قصيرة المدى. كما يُعدّ الصاروخ الباليستي «جنك» (Cenk)، الذي يتجاوز مداه ألفَي كيلومتر، مثالاً إضافياً على مسار تعزيز القدرات العسكرية التركية. وفي المجال البحري، تمثل المدمّرة الوطنية «موغم» (MUGEM) منصةً متحركةً لتعزيز الردع والقدرات البحرية التركية في شرق المتوسط. ومنذ حرب رمضان، تبدو أنقرة متجهةً بصورة متسارعة نحو توسيع قاعدة التصنيع العسكري المحلي، فيما يُقدَّم «يلدريم هان» بوصفه رمزاً لهذا التوجه.

ولا يقتصر هذا المسار على تطوير القدرات العسكرية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى إعادة هيكلة الإنفاق الدفاعي والاستثمارات الوطنية. فبحسب تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، تجاوزت النفقات العسكرية التركية في عام 2025 حاجز الثلاثين مليار دولار، بزيادة بلغت 7.2 بالمئة مقارنة بالعام السابق. ويُعزى جزء مهم من هذه الزيادة إلى تنامي الحصة المخصصة لـ«الصندوق الخاص لدعم الصناعات الدفاعية»، والتي ارتفعت بنسبة 25 بالمئة، لتشكّل حالياً 22 بالمئة من إجمالي الإنفاق العسكري التركي. وقد جرى توجيه الاستثمارات المخصصة للصناعات الدفاعية المحلية عبر هذا الصندوق نحو مشاريع رئيسية مثل «يلدريم هان» و«تشيليك كوبه» و«موغم»، بما ساهم في تقليص الاعتماد على المورّدين الأجانب. وفي الإطار ذاته، أعلنت تركيا رسمياً عزمها رفع الإنفاق الدفاعي إلى ما يعادل خمسة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما ينسجم مع التزاماتها داخل حلف شمال الأطلسي، ويعزز موقعها بوصفها إحدى القوى العسكرية الأساسية داخل الحلف.

ويتزامن هذا التصاعد في القدرات العسكرية مع حدث دبلوماسي بارز، إذ تستضيف تركيا في يوليو 2026 قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، بمشاركة قادة الدول الأعضاء البالغ عددها 32 دولة. وتمثل هذه القمة فرصة لأنقرة لتعزيز موقعها ضمن معادلات الأمن الأوروبي والشرق أوسطي. وفي ظل امتلاكها جيشاً كبيراً وترسانةً متنامية من المعدات المحلية، بدءاً من الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز وصولاً إلى المقاتلة من الجيل الخامس «KAAN» ومنظومات الدفاع الجوي، تسعى تركيا إلى طرح تصور جديد للردع الجماعي في مواجهة التهديدات الإقليمية. ومن هذا المنظور، يُنظر إلى صاروخ «يلدريم هان» بوصفه أحد أبرز أوراق القوة التركية خلال قمة أنقرة، ورسالةً إلى الحلفاء الأوروبيين بأن تركيا لم تعد مجرد مستهلك للأمن، بل باتت فاعلاً قادراً على إنتاج قدرات ردعية وحماية الجبهة الجنوبية لحلف الناتو.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن أحد الدوافع الرئيسية وراء هذه التحولات العسكرية يتمثل في تنامي الشعور بالتهديد الناتج عن حرب رمضان وما تعتبره أنقرة تهديداً مباشراً من جانب إسرائيل. فقد أظهرت الحرب، التي جعلت الحدود الشرقية لتركيا أكثر التصاقاً بمناطق التوتر، إلى جانب استمرار التصعيد في غزة ولبنان، حدود قدرة المؤسسات الدولية، بما فيها حلف الناتو، على توفير الضمانات الأمنية مقارنةً بمنظومات الردع الوطنية. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى الكشف عن «يلدريم هان» باعتباره مجرد استعراض للقوة، بل بوصفه تعبيراً عن تشكّل عقيدة دفاعية جديدة تقوم على الاكتفاء الذاتي وتعزيز القدرات العسكرية باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للأمن القومي. ومن خلال هذا الصاروخ والمنظومات المرافقة له، تسعى تركيا ليس فقط إلى تعزيز الردع، وإنما أيضاً إلى إعادة تعريف دورها باعتبارها قوةً فاعلةً في تشكيل توازنات الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد حرب رمضان.

إلى جانب الاعتبارات الأمنية، تنطوي هذه التحولات العسكرية على بُعد أوسع يرتبط بسعي تركيا إلى تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية وترسيخ موقعها بوصفها لاعباً مؤثراً في النظام الدولي المتحوّل. ولتحقيق هذا الهدف، تركز أنقرة على توسيع نطاق «الاستقلال الاستراتيجي»، أي القدرة على اتخاذ القرارات العسكرية والسياسية بصورة مستقلة، مع الاستمرار في أداء دور داخل التحالفات الدولية مثل حلف الناتو. ويُنظر إلى هذا التوجه، بالتوازي مع اعتبارات الردع الإقليمي، باعتباره أحد المحركات الرئيسية للاستثمارات الواسعة في الصناعات الدفاعية المحلية، وللمساعي الرامية إلى تحويل الجيش التركي إلى أحد الفاعلين الرئيسيين في معادلات الأمن الممتدة من شرق المتوسط إلى آسيا الوسطى.

بقلم: جواد صبوري (باحث في الدراسات التركية)

 

أحدث المحتويات
الأكثر زيارة