
لم يتعامل الرأي العام في السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين مع «الغضب الملحمي» بوصفه مواجهة بعيدة بين إيران وإسرائيل، بل رآه تهديداً إقليمياً قد يطال الأمن الوطني، وأسواق الطاقة، والموانئ، والمطارات، وحركة الملاحة، والاستقرار اليومي للمجتمعات الخليجية.
أظهرت اتجاهات النقاش أن السؤال المركزي لم يكن فقط: من انتصر؟ بل: من سيدفع ثمن الحرب؟ فقد تحوّلت الأزمة من حدث عسكري إلى قلق اجتماعي واقتصادي وأمني. في السعودية برز الخوف من امتداد الحرب إلى الرياض والمنطقة الشرقية. وفي الإمارات ارتبط القلق بالبنية التحتية والطاقة والموانئ. أما في قطر فحضرت قاعدة العديد والإنذارات الصاروخية في قلب النقاش، بينما ركّزت الكويت على الأمن الداخلي والطاقة، وبرزت في البحرين مخاوف مرتبطة بالقواعد الأمريكية والبنية الحضرية.
كانت إيران حاضرة في مركز السردية العامة، لكن هذا الحضور لم يكن أيديولوجياً فقط. فقد ارتبطت صورتها بالصواريخ، ومضيق هرمز، وأمن الطاقة، واحتمال توسّع الحرب، واستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة. لذلك، بدت السلبية تجاه إيران تعبيراً عن إدراك تهديدي مركّب، لا مجرد موقف سياسي مباشر.
في المقابل، لم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن النقد. فقد نظر جزء من الجمهور إلى القواعد الأمريكية لا كضمانة أمنية فقط، بل كمصدر محتمل للخطر، لأنها قد تجعل دول خلیج فارس أهدافاً في أي مواجهة أوسع. وهنا برز سؤال شعبي واضح: هل توفر هذه القواعد الحماية، أم تستورد التهديد؟
أما إسرائيل، وخصوصاً حكومة نتنياهو، فظهرت بصورة شديدة السلبية. لكن رفض إسرائيل لم يتحول بالضرورة إلى تعاطف كامل مع إيران. فالرأي العام كان يتحرك بمنطق أمني عملي، يرفض التصعيد من أي طرف، ويخشى انتقال كلفة الحرب إلى مدنه وأسواقه وموانئه.
برز مضيق هرمز كأحد أهم رموز القلق الخليجي. فتهديد الملاحة أو إغلاق المضيق لا يعني فقط ضغطاً عسكرياً، بل يعني ارتفاع كلفة التأمين، وتعطل الشحن، واهتزاز أسواق الطاقة، وتراجع الثقة بالاستقرار الاقتصادي. لذلك، لم يكن الخوف من الحرب عسكرياً فقط، بل كان معيشياً وتنموياً أيضاً.
تكشف الدراسة أيضاً أن الإعلام رسم الإطار العام للنقاش، بينما عبّر المستخدمون العاديون عن القلق الأعمق: الخوف على المدن، الاعتراض على القواعد الأجنبية، الحساسية من الخطاب الطائفي، والقلق من اضطراب الاقتصاد. وبذلك، لا يكفي تحليل الخطاب الإعلامي لفهم الرأي العام، بل لا بد من قراءة تفاعلات الجمهور اليومية.
الخلاصة أن الرأي العام في دول خلیج فارس لم يكن يبحث عن انتصار طرف على آخر، بل عن خفض المخاطر. الرسالة الأكثر تأثيراً لهذا الجمهور هي التي تؤكد حماية المدنيين، واحترام أمن الجوار، وعدم استهداف البنى التحتية، وضمان أمن الملاحة والطاقة، وفتح مسارات الدبلوماسية والتهدئة.
في النهاية، يرى الجمهور الخليجي «الغضب الملحمي» بعين أمنية ومعيشية قبل أن يراه بعين عسكرية. ومن هذا المنظور، لا تُقاس شرعية أي فاعل بحجم قوته، بل بقدرته على إبقاء النار بعيدة عن المدن والأسواق والموانئ وحياة الناس.