جدلية الصندوق والأمن في واقع النظام الفلسطيني المتصدع

مدت مطالعه: 2 دقیقه

اوت 16, 2026

تتجاوز المراسيم الرئاسية الفلسطينية الأخيرة بشأن الانتخابات التشريعية كونها مجرد إجراء تقني لإنهاء حالة الجمود الديمقراطي؛ فهي في جوهرها تعبير عن محاولة “هندسة سياسية” للنظام الفلسطيني، تهدف إلى تأمين بقاء النخبة الحاكمة في ظل ضغوط إقليمية ودولية متزايدة. إن هذا التحرك يمثل “هروباً إلى الأمام” لمواجهة أزمة الشرعية المتفاقمة، وليس استجابة لنداءات التغيير، حيث يسعى مركز القرار في رام الله إلى إعادة تكييف البنية التحتية للسلطة لتتواءم مع مخرجات التسويات الإقليمية المحتملة، والتي تتطلب بالضرورة تقويض أسس “المقاومة” وإحلال سردية “الإصلاح المؤسسي” محلها.

إن هذا المسار الانتخابي يضع النظام الفلسطيني أمام معضلة بنيوية حادة؛ فالمجتمع الدولي يضغط باتجاه صعود طبقة تكنوقراطية ملتزمة بمعايير التنسيق الأمني وتجفيف المنابع الفكرية للمقاومة في المؤسسات التعليمية والإعلامية. وفي المقابل، تعاني حركة “فتح” من حالة تشظٍ داخلي تهدد تفكيك مركزيتها التاريخية لصالح تيارات صاعدة، مما يجعل العملية الانتخابية رهينة لضمانات مسبقة تمنع تكرار سيناريو عام ٢٠٠٦، الذي ما زال يشكل “الفوبيا” الأكبر لصناع القرار في رام الله. وبالتالي، فإن إجراء الانتخابات مرهون بمدى القدرة على ضبط مخرجاتها مسبقاً لتكون متوافقة مع التوازنات الأمنية الجديدة.

علاوة على ذلك، يظل “الفيتو الإسرائيلي” هو المتغير الحاكم والنهائي في هذه المعادلة. فاليمين المتطرف، الذي يمسك بزمام السلطة في تل أبيب، لن يسمح بأي مسار ديمقراطي قد يمنح شرعية سياسية لقوى المقاومة. ومن المرجح أن تتعامل إسرائيل مع هذه الانتخابات وفق إستراتيجية “الحسم”؛ عبر توظيف الأدوات الأمنية، من الاعتقالات السياسية الموجهة إلى التصعيد الميداني، لضمان عدم خروج العملية عن سياقها المرسوم. في التحليل النهائي، لا تعدو هذه الانتخابات كونها حلقة جديدة في مسلسل تكييف القضية الفلسطينية مع متطلبات الأمن الإقليمي، مما يفرض على قوى المقاومة قراءة دقيقة لهذه التحولات بوصفها محاولة لإعادة صياغة الخارطة السياسية في الشام عبر أدوات القوة الناعمة والشرعية الشكلية.

مهدي علي

باحث في دراسات الشرق الأوسط

أحدث المحتويات
مطالعات بین‌المللی و راهبردی
اوت 19, 2026
مطالعات بین‌المللی و راهبردی
اوت 9, 2026
الأكثر زيارة
مطالعات بین‌المللی و راهبردی
اوت 16, 2026